بحث متقدم... 
    
   
 
 
الرئيسة فضـــائل الـصـحـابــةمن قصص الصحابة رضي الله عنهم
 
 
معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه

معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه {يا معاوية إنْ وُلِّيتَ أمراً فاتّقِ الله واعْدِلْ} حديث شريف.

معاوية بن أبي سفيان القرشيّ الأموي، ولد قبل البعثة بخمس سنين أسلم بعد الحديبيـة وكتَمَ إسلامه حتى أظهره عام الفتـح، وكان في عمرة القضاء مسلماً، كان من الكَتَبة الحَسبَة الفصحاء حليماً وقوراً عاش عشرين سنة أميراً وعشرين سنة خليفة.

 إسلامه أسلم معاوية بن أبي سفيان قبل عُمرة القضية، ولكنه كان يخاف أن يخرج الى المدينة لأن أمه كانت تقول له: { إن خرجت قطعنا عنك القوت }.

 صهر الرسول أخته أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان، دخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- على أم حبيبة ومعاوية عندها نائم على السرير، فقال: { من هذا يا أم حبيبة ؟}.

فقالت: { أخي معاوية يا رسول الله }.

قال: { فتُحِبِّيه ؟}.

فقالت: { إيْ والله إنّي لأحبُّه }.

فقال: { يا أم حبيبة ! فإني أحب معاوية، وأحب من يحب معاوية، وجبريل وميكائيل يُحبّان معاوية، والله أشدُّ حُبّاً لمعاوية من جبريل وميكائيل }.

 خَلْقه وخُلُقه كان طويلاً أبيض أجلح وصحب النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 قال عكـرمة لابن عباس: { إن معاوية أوتر بركعة }.

فقال: { إنه فقيه }.

 قال المدائنـي: { كان زيـد بن ثابت يكتب الوحـي، وكان معاوية يكتب للنبي -صلى الله عليه وسلم- فيما بينه وبين العرب، فدخل معاوية بن أبي سفيان على عمر -رضي الله عنه- وعليه حُلّة خضراء فنظر إليه الصحابة، فلما رأى ذلك عمر قام ومعه الدَّرّة فجعل ضرباً بمعاوية، ومعاوية يقول: الله الله يا أمير المؤمنين، فيمَ ؟ فيمَ ؟}.

فلم يكلمه حتى رجع فجلس في مجلسه فقالوا له: { لِمَ ضربت الفتى وما في قومك مثله ؟}.

فقال: { ما رأيت إلا خيراً، وما بلغني إلا خير، ولكني رأيته -وأشار بيده الى فوق- فأردت أن أضعَ منه }.

 كان معاوية لا يُتَّهم في الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان معاوية قليل الحديث عن رسول الله الكريم.

 الولاية ولاه عمر بن الخطاب الشام بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان وأقره عثمان.

 معاوية وعلي لم يبايع معاوية علي بن أبي طالب، وحاربه واستقل بالشام، ثم أضاف إليها مصر، ثم تسمّى بالخلافة بعد الحكمين.

 ولمّا قُتِلَ علي -رضي الله عنه- سار معاوية من الشام الى العراق، فنزل بمسكن ناحية حربي { بين بغداد وتكريت }إلى أن وجّه إليه الحسن بن علي فصالحه، وقدم معاوية الكوفة، فبايع له الحسن بالخلافة واجتمع عليه الناس، فسمّي ذلك العام عام الجماعة.

 وقد سُئِلَ الحارث الأعور -وكان من أصحاب علي-: { ما حمل الحسن بن عليّ على أن يُبايع لمعاوية وله الأمر ؟}.

قال: { إنه سمع علياً يقول: لا تكرهوا إمْرَة معاوية }.

 معاوية والملك قال معاوية: { اتبعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بوضوء فلما توضأ نظر إليّ فقال: { يا معاوية إنْ وُلِّيتَ أمراً فاتّقِ الله واعْدِلْ }.

فما زلتُ أظنُّ أنّي مُبتلِ بعمل.

 قال ابن عباس: { ما رأيت أحداً أحلى للملك من معاوية }.

فملك الناس عشرين سنة، يسوسهم بالملك، يفتح الله به الفتوح، ويغزو الروم، ويقسم الفيء والغنيمة، ويقيم الحدود.

 قال أبو الدرداء: { لا مدينة بعد عثمان، ولا رخاء بعد معاوية }.

 معاوية والسيدة عائشة لمّا قدِم معاوية المدينة يريد الحج دخل على أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- ومولاها ذكوان أبو عامر عندها فقالت له عائشة: { أمِنتَ أن أخبِّىء لك رجلاً يقتلك بقتلك أخي محمداً ؟}.

قال معاوية: { صدقتِ }.

فكلّمها معاوية فلمّا قضى كلامه، تشهدت عائشة ثم ذكرت ما بعث الله به نبيه من الهدى ودين الحق، والذي سنّ الخلفاء بعده، وحضّتْ معاوية على اتباع أمرهم، فقالت في ذلك، فلم تترِك.

 فلمّا قضت مقالتها قال لها معاوية: { أنتِ والله العالمة بأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-المناصحة المشفقة، البليغة الموعظة، حَضَضْتِ على الخير وأمرت به، ولم تأمرينا إلا بالذي هو لنا، وأنتِ أهلٌ أن تطاعي }.

فتكلّمت هي ومعاوية كلاماً كثيراً، فلمّا قدم معاوية اتكأ على ذكوان، قال: { والله ما سمعت خطيباً ليس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبلغ من عائشة }.

 أخلاق الحاكم خطب معاوية بالناس وقد حَبَس العطاء شهرين أو ثلاثة، فقال أبو مسلم: { يا معاوية، إنّ هذا المال ليس بمالك ولا مال أبيك ولا مال أمك }.

فأشار معاوية إلى الناس أن امكثوا، فنزل ثم رجع فقال: { أيُّها الناس ! إنّ أبا مسلم ذكر أن هذا المال ليس بمالي ولا مال أبي ولا مال أمي، و صدق أبو مسلم، إني سمعت رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- يقول: { الغضبُ من الشيطان، والشيطان من النار، والماء يطفيء النار، فإذا غضب أحدكم فلْيَغتسل }.

اغْدُوا على عطائكم على بركة الله عزّ وجلّ }.

 وخطب يوماً معاوية فقال: { إنّ في بيت مالكم فَضْلاً عن عطائكم، وإني قاسمٌ بينكم ذلك، فإن كان فيه قابلاً فضلٌ قسمته عليكم، وإلا فلا عَتِيبَة عليّ، فإنه ليس مالي وإنّما هو فَيء الله الذي أفاءَ عليكم }.

 قال معاوية: { لا أضع لساني حيث يكفيني مالي، ولا أضع سَوْطي حيث يكفيني لساني، ولا أضع سيفي حيث يكفيني سَوْطي، فإذا لم أجد من السيف بُدّاً ركبتُهُ }.

 فضله قال معاوية: { أفضلُ ما أعطي الرجلُ العقل والحِلْمَ، وإذا ذُكّرَ ذَكَرَ، وإذا أعطيَ شكر، وإذا ابتُليَ صَبَر، وإذا غضِبَ كظم، وإذا قَدَرَ غَفَرَ، وإذا أساء اسْتَغْفر، وإذا وَعَدَ أنْجَزَ }.

 قال معاوية: { لا يبلغ الرجل مبلغَ الرأي حتى يَغلِبَ حِلْمُهُ جهلَهُ، وصبره شهوته، ولا يبلغ ذلك إلا بقوة الحِلْم }.

 الوفاة لمّا حضرت معاوية الوفاة أوصى أن يُكفّن في قميص كساه إيّاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأن يجعل ممّا يلي جسده، وكان عنده قُلامة أظفار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأوصى أن تسحق وتجعل في عينيه وفمه، وقال: { افعلوا بي، وخلّوا بيني وبين أرحم الراحمين }.

ومات معاوية في رجب سنة ستين على الصحيح.

 مما قيل في معاوية سَألَ الزهري سعيد بن المسيّب عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له: { اسمعْ يا زهري، من مات محبّاً لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وشهد للعشرة بالجنة، وترحّم على معاوية، كان حقيقاً على الله عز وجل أن لا يناقشه الحساب }.

 وسُئِلَ ابن مبارك عما يقوله في معاوية فأجاب: { ما أقول في رجل قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: { سمع الله لمن حمده }.

فقال معاوية من خلفه: { ربَّنا ولك الحمد }.

فقيل له: { ما تقول في معاوية، هل هو عندك أفضل أم عمر بن عبد العزيز ؟}.

فقال: { لتُرابٌ في مِنْخَريّ معاوية مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير من عمر بن عبد العزيز }.

 وسأل رجل المعافى بن عمران فقال: { يا أبا مسعود، أين عمر بن عبد العزيز من معاوية ؟}.

فغضب من ذلك غضباً شديداً وقال: { لا يُقاس بأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحد، معاوية صاحبه وصهره، وكاتبه وأمينه على وحي الله عزّ وجلّ، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: دَعوا لي أصحابي وأصهاري، فمن سبّهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين }.

  
معاذ بن جبل رضي الله عنه

 معاذ بن جبل رضي الله عنه { وأَعْلَمُ أُمَّتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل } حديث شريف.

معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الخزرجي الأنصاري، وكنيته أبو عبدالرحمن.

أسلم وعمره ثماني عشرة سنـة عندما أسلم سعد بن معاذ -رضي الله عنه - سيد الخزرج الذي طلب من قومه أن يسلمـوا فأسلم الخزرج ومعهم معاذ -رضي اللـه عنه-.

وقدم من المدينة الى مكة لمبايعة الرسـول -صلى الله عليه وسلم- ليلـة العقبـة الثانية فبايعه معهم وحضر المشاهـد كلها وروى عن النبـي -صلى الله عليه وسلم- الشيء الكثير من الأحاديث النبوية.

 قربه من الرسول لزم معاذ بن جبل النبي -صلى الله عليه وسلم- منذ هجرته الى المدينة.

فأخذ عنه القرآن وتلقى شرائع الاسلام حتى صار أقرأ الصحابة لكتاب الله وأعلمهم بشرعه.

وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وحسبه شهادة له قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: { استقرئـوا القرآن من أربعـة: من ابن مسعـود، وسالم مولى أبي حذيفـة، وأُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل }.

 وقوله - صلى الله عليه وسلم-: { وأعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل}.

 قال له الرسول -صلى الله عليه وسلم-: { يا مُعاذ، والله إني لأُحِبّك فلا تنْسَ أن تقول في عَقِب كل صلاة: اللهم أعِنّي على ذِكْرك وشكرك وحُسْن عبادتك }.

ولقد حَـذِق معاذ الدرس وأجاد التطبيـق.

فقد لقيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذات صباح فسأله: { كيف أصبحت يا معاذ ؟}.

قال: { أصبحت مؤمنا حقّا يا رسول الله }.

قال النبي: { إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك ؟}.

قال معاذ: { ما أصبحت صباحا قط إلا ظننت أني لا أمْسي، ولا أمْسَيت مساء إلا ظننت أني لا أُصْبح، ولا خطوت خطوة إلا ظننت أني لا أتْبِعُها غيرها، وكأني أنظر الى كل أمّة جاثية تُدْعى الى كتابها، وكأني أرى أهل الجنة في الجنة يُنَعَّمون، وأهل النار في النار يُعَذّبون }.

فقال له الرسول: { عرفتَ فالزم}.

 ارساله الى اليمن وبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذ مع رسل ملوك اليمن يعلم الناس دينهم وأوصاه بأمور عدة.

 فقد سأله النبي -صلى الله عليه وسلم-: { بما تحكم يا معاذ ؟}.

قال معاذ: { بكتاب الله }.

 قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: { فان لم تجد ؟}.

قال معاذ: { بسنة رسول الله }.

 قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: { فان لم تجد ؟}.

قال معاذ: { أجتهد رأي ولا آلو }.

 قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: { الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله }.

 فضله لقد كان عمـر بن الخطـاب -رضي اللـه عنه- يستشيـره كثيرا وكان يقول في بعـض المواطـن التي يستعيـن فيها برأي مُعاذ وفقهـه: { لولا معاذ بن جبـل لهلك عمـر }.

 ولقد أجاد ابـن مسعـود وصفه حيـن قال: { إن معـاذاً كان أمِّـةً قانتـاً للـهِ حَنيفـاً، ولقد كنّـا نُشَبِّـه معاذا بإبراهيـم عليـه السـلام }.

 دخل { عائذ الله بن عبد الله } المسجد يوما مع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أول خلافة عمر فيحدثنا ويقول: { فجلست مجلسا فيه بضعٌ وثلاثون كلهم يَذْكرون حديثا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفي الحلقة شاب شديد الأُدْمَة حلو المنطق وضيء، وهو أشَبُّ القوم سِنّا، فإذا اشتبـه عليهم من الحديـث شيء رَدّوه إليه فَأفْتاهم، ولا يحدثهم إلا حين يسألونه، ولما قُضيَ مجلسهم دَنَـوْتُ منه وسَألْتُه: { من أنت يا عبد الله ؟}.

قال: { أنا معاذ بن جبل }.

 ويقول أبو مسلم الخولاني : {دخلت مسجد حمص فإذا جماعة من الكهول يتوسّطهم شاب برّاق الثنايا صامت لا يتكلم، فإذا امْتَرَى القوم في شيء تَوَجَّهوا إليه يسألونه، فقلت لجليس لي: من هذا ؟}.

 قال معاذ بن جبل: { فوقع في نفسي حُبُّه }.

 كما قال شهر بن حَوْشَب : { كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا تحدثوا وفيهم معاذ بن جبل، نظروا إليه هيبة له }.

 حُبّ العلم كان معاذا -رضي الله عنه- دائب الدعوة الى العلم والى ذكر الله، فقد كان يقول: { احذروا زيْغ الحكيم، واعرفوا الحق بالحق، فإن للحق نوراً }.

وكان يرى العبادة قصداُ وعدلا، قال له يوما أحد المسلمين: { علّمني }.

فسأله معاذ: { وهل أنت مطيعي إذا علمتك ؟}.

قال الرجل: { إني على طاعتك لحريص }.

فقال له معاذ: { صُمْ وأفْطِر، وصَلِّ ونَمْ، واكْتَسِب ولا تأثَمْ، ولا تموتنَّ إلا مُسْلِما، وإياك ودَعْوَة المظلوم }.

وكان يرى العلم معرفة وعملا فيقول: { تعلموا ماشئتـم أن تتعلموا، فلن ينفعـكم الله بالعلم حتى تعْمَلوا }.

وكان يرى الإيمان بالله وذكره استحضارا دائما لعظمته ومراجعة دائمة لسلوك النفس، يقول الأسود بن هلال: { كُنّا نمشي مع مُعاذ، فقال لنا: اجلسوا بنا نُؤْمِنْ ساعة }.

 طهارته مات الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومعاذ بن جبل في اليمن، وفي خلافة أبي بكر رجِع معاذ الى اليمن، وكان عمر بن الخطاب قد علِمَ أن معاذاً أثرى فاقترح على الخليفة أبي بكر أن يشاطره ثروته وماله، ولم ينتظر عمر بل نهض مسرعا الى معاذ وأخبره، وقد كان معاذ -رضي الله عنه- طاهر الكف والذمّة، ولئن كان قد أثرى فإنه لم يكتسب إثما ومن ثم فقد رفض عرض عمر وناقشه رأيه، وتركه عمر وانصرف، وفي الغداة سارع معاذ الى عمر يلقاه ولا يكاد يراه حتى يعانقه ودموعه تسبق كلماته ويقول: { لقد رأيت الليلة في منامي أني أخوض حَوْمَة ماء، أخشى على نفسي الغرق، حتى جئت فخلصتني يا عمر }.

وذهبا معا الى أبي بكر وطلب معاذ إليه أن يشاطره ماله فقال أبو بكر: { لا آخذ منك شيئاً }.

فنظر عمر الى معاذ وقال له: { الآن حَلَّ وطاب }.

فما كان أبو بكر الورع ليترك لمعاذ درهما واحدا، لو علم أنه أخذه بغير حق.

 أمانته وورعه كما أرسله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الى بني كلاب ليقسم فيهم أعطياتهم ويوزع على فقرائهم صدقات أغنيائهم فقام بواجبه خير قيام.

وعاد الى زوجـه بحلسه {ما يوضع على ظهر الدابة} الذي خرج به فقاـلت له امرأته: { أين ما جئت به مما يأتي به الولاة من هدية لأهليهـم ؟}.

فقال معاذ: { لقد كان معي رقيب يقظ يحصي علي }.

فقالت امرأته: { لقد كنت أمينا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر ثم جاء عمر فبعث معك رقيبا يحصي عليك }.

وشاعت ذلك عند نساء عمر وشكته لهن فبلغ عمر.

فأرسل الى معاذ وسأله: {أنا أرسلت معك رقيبا}.

فقال: { يا أمير المؤمنين لم أجد ما اعتذر به الا هذا وقصدت بالرقيب الله عزوجل }.

فأعطاه عمر شيئا وقال: { أرضها به}.

 معلما ثم واليا للشام وفي خلافة عمر -رضي الله عنه- أرسل اليه واليه على الشام يقول: { يا أمير المؤمنين ان أهل الشام قد كثروا وملأوا المدائن واحتاجوا الى من يعلمهم القرآن،ويفقههم في الدين، فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم}.

فأرسل اليه عمر من يعلمهم وكان أحدهم معاذ بن جبل -رضي الله عنه-.

فلما مات أمير الشام { أبو عبيدة } استخلفه أمير المؤمنين على الشام، ولم يمضِ عليه في الإمارة سوى بضعة أشهر حتى يلقى ربه منيبا، وكان عمر بن الخطاب يقول: { لو اسْتَخْلفْت معاذ بن جبل فسألني ربي: لماذا استخلفته ؟.

لقلت: سمعت نبيك يقول: إن العلماء إذا حضروا ربهم عزَّ وجل كان معاذ بين أيديهم }.

وهذا رأيه على خلافة المسلمين جميعا.

 طاعون عمواس أصيب معاذ -رضي الله عنه- بالطاعون، فلما حضرته الوفاة قال: { مرحبا بالموت مرحبا، زائر بعد غياب وحبيب وفد على شوق }.

ثم جعل ينظر الى السماء ويقول: { اللهم إني كنتُ أخافك، لكنني اليوم أرجوك، اللهم انك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لغرس الأشجار، وجري الأنهار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء عند حلق الذكر، اللهم فتقبل نفسي بخير ما تتقبل به نفسا مؤمنة }.

ثم فاضت روحه بعيدا عن الأهل داعيا الى الله مهاجرا في سبيله.

وكانت وفاته في السنة السابعة عشرة من الهجرة النبوية في طاعون عمواس وعمره ثلاث وثلاثون سنة.

  
مصعب بن عمير رضي الله عنه

مصعب بن عمير أول سفراء الإسلام { لقد رأيت مُصعبا هذا وما بمكة فتى أنْعَمُ عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حُبّا لله ورسوله} حديث شريف...

غُرّة فتيان قريش وأوفاهم بهاءً وجمالا وشباباً، كان مصعب بن عمير أعطر أهل مكة لم يظفر بالتدليل مثله أي فتى من قريش، فكان المدَلّل المُنَعّم أو كما يصفه المسلمين مصعب الخير، والى جانب أناقة مظهره كان زينة المجالس والندوات على الرغم من حداثة سنه، سمع بالنبي الجديد ومن تبعه من المسلمين، وعَلِم باجتماعهم في دار الأرقم فلم يتردد وسارع ليسمع الآيات تتلى والرسول -صلى الله عليه وسلم- يصلي بالمسلمين فكان له مع الإسلام موعدا، فبسط يده مبايعا، ولامست اليد اليمنى لرسول الله صدره المتوهّج فنزلت السكينة عليه وبدا وكأنه يملك من الحكمة مايفوق عمره.

 أمه كانت أم مصعب (خُنَاس بنت مالك) تتمتع بقوة فذة في شخصيتها وكانت تُهاب الى حد الرهبة، وحين أسلم مصعب خاف أمه وقرر أن يكتم إسلامه حتى يقضي الله أمراً، ولكن أبصره (عثمان بن طلحة) وهو يدخل الى دار الأرقم ثم مرة ثانية وهو يصلي صلاة محمد، فأسرع عثمان الى أم مصعب ينقل لها النبأ الذي أفقدها صوابها، ووقف مصعب أمام أمه وعشيرته وأشراف مكة المجتمعين يتلو عليهم القرآن الذي يطهر القلوب، فهمَّت أمه أن تُسْكِتُه بلطمة ولكنها لم تفعل، وإنما حبسته في أحد أركان دارها وأحكمت عليه الغلق، حتى عَلِم أن هناك من المسلمين من يخرج الى الحبشة، فاحتال على أمه ومضى الى الحبشة.

وعاد الى مكة ثم هاجر الهجرة الثانية الى الحبشة.

ولقد منعته أمه حين يئست من رِدَّته كل ما كانت تفيض عليه من النعم وحاولت حبسه مرة ثانية بعد رجوعه من الحبشة، فآلى على نفسه لئن فعلت ليقتلن كل من تستعين به على حبسه، وإنها لتعلم صدق عزمه فودعته باكية مصرّة على الكفر، وودعها باكيا مصرّا على الإيمان، فقالت له: { اذهب لشأنك، لم أعد لك أما }.

فاقترب منها وقال: { يا أمَّه، إني لكِ ناصح وعليك شفوق، فاشهدي أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله }.

أجابته غاضبة: { قسماً بالثّواقب لا أدخل في دينك فَيُزْرى برأيي ويضعف عقلي }.

 تَرْك نعيم الدنيا وخرج مصعب من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها مؤثرا الفاقة، وأصبح الفتى المُعَطّر المتأنق لا يُرى إلا مرتديا أخشن الثياب، يأكل يوما ويجوع أيام، وقد بصره بعض الصحابة يرتدي جلبابا مرقعا باليا، فحنوا رءوسهم وذرفت عيونهم دمعا شجيا، ورآه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتألقت على شفتيه ابتسامة جليلة وقال: { لقد رأيت مُصعبا هذا وما بمكة فتى أنْعَمُ عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حُبّا لله ورسوله }.

 أول سفير اختار الرسول -صلى الله عليه وسلم- مصعب بن عمير ليكون سفيره الى المدينة، يفقه الأنصار ويعلمهم دينهم، ويدعو الجميع الى الإسلام، ويهيأ المدينة ليوم الهجرة العظيم، مع أنه كان هناك من يكبره سنا وأقرب للرسول منه، وحمل مصعب -رضي الله عنه- الأمانة مستعينا بما أنعم الله عليه من عقل راجح وخلق كريم، فنجح بمهمته ودخل أهل المدينة بالإسلام، واستجابوا لله ولرسوله، وعاد الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في موسم الحج التالي لبيعة العقبة الأولىعلى رأس وفد عدد أعضائه سبعين مؤمنا ومؤمنة، بايعوا الرسول الكريم ببيعة العقبة الثانية.

 إسلام سادة المدينة فقد أقام مصعب بن عمير في المدينة في منزل (أسعد بن زرارة) ونهضا معا يغشيان القبائل والمجالس، تاليا على الناس ما معه من كتاب الله، وتعرض لبعض المواقف التي كان من الممكن أن تودي به لولا فطنة عقله وعظمة روحه، فقد فاجأه يوما (أُسَيْد بن حضير) سيد بني عبد الأشهل بالمدينة شاهِراً حربته، يتوهج غضبا على الذي جاء يفتن قومه عن دينهم، وقال (أُسَيْد) لمصعب وأسعد بن زرارة: { ما جاء بكما إلى حَيِّنَا تُسَفِّهان ضعفائنا ؟.

اعتزلانا إذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة }.

 وبمنتهى الهـدوء تحرك لسان مصعب الخيـر بالحديث الطيب فقال: { أولا تجلس فتستمـع ؟ فإن رضيت أمْرنا قَبِلته، وإن كرهته كَفَفْنا عنك ما تكره }.

وكان أُسَيْد رجلا أريبا عاقلا، هنالك أجاب أسَيْد: { أنصَفْت }.

وألقى حربته الى الأرض وجلس يصغي، ولم يكد مصعب يقرأ القرآن ويفسر الدعوة حتى أخذت أسارير (أُسَيْـد) تشرق، ولم يكد ينتهي مصعـب حتى هتف أسَيْـد: { ما أحسن هذا القول وأصدقـه، كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين ؟}.

وأجابوه بتهليلـة رجت الأرض رجّـاً ثم قال له مصعب: { يطهر ثوبه وبدنه، ويشهد أن لا إله إلا الله }.

فأسلم أُسَيْد وسرى الخبر كالضوء، وجاء سعد بن معاذ فأصغى لمصعب واقتنع وأسلم، ثم تلاه سعد بن عبادة وأسلم، وأقبل أهل المدينة يتساءلون: إذا أسلم ساداتهم جميعا ففيم التخلَّف ؟.

هيا الى مصعب فلنؤمن معه فإن الحق يخرج من بين ثناياه.

 غزوة أحد وفي غزوة أحد يُحتدم القتال، ويخالف الرماة أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويغادرون مواقعهم في أعلى الجبل بعد أن رأوا المشركين ينسحبون منهزمين، لكن عملهم هذا حول النصر الى هزيمة، ويفاجأ المسلمون بفرسان قريش تغشاهم من أعلى الجبل، ومزقت الفوضى والذعر صفوف المسلمين، فركَّز المشركون على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريدون أن ينالوا منه، وأدرك مصعب بن عمير ذلك، فحمل اللواء عاليا، وكبَّر ومضى يصول ويجول، وكل همِّه أن يشغل المشركين عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 الشهادة حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب، فأقبل ابن قميئة وهو فارس، فضربه على يده اليمنى فقطعها ومصعب يقول: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل }.

وأخذ اللواء بيده اليسرى وحَنَا عليه، فضرب يده اليسرى فقطعها، فَحَنَا على اللواء وضَمَّه بعَضُدَيْه الى صدره وهو يقول: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل }.

ثم حمَلَ عليه الثالثة بالرُّمح فأَنْفَذه وانْدَقَّ الرُّمح، ووقع مصعب وسقط اللواء، واستشهد مصعب الخير.

 وداع الشهيد وبعد انتهاء المعركة جاء الرسول وأصحابه يتفقدون أرض المعركة ويودعون شهدائها.

يقول خبّاب بن الأرَتّ: { هاجرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-في سبيل الله، نبتغي وَجْه الله، فوجب أجْرَنا على الله، فمنا من مضى ولم يأكل من أجره في دنياه شيئا، منهم مصعب بن عمير قُتِلَ يوم أُحُد، فلم يُوجد له شيء يكفن فيه إلا نَمِرَة، فكنا إذا وضعناها على رأسه تَعَرَّت رجلاه، وإذا وضعناها على رِجْلَيْه برزت رأسه، فقال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اجْعَلوها مما يلي رَأْسَه، واجعلوا على رجليه من نبات الإذْخِر }.

 وقد مثّل المشركون بجثمانه تمثيلا أفاض دموع الرسول عليه السلام وأوجع فؤاده، وقال وهو يقف عنده: { من المؤمنين رجال صَدَقوا ما عاهدوا الله عليه }.

ثم ألقى بأسـى نظرة على بردته التي كُفِّن فيها وقال: { لقد رأيت بمكـة وما بها أرق حُلَّة ولا أحسن لِمَّة منك، ثم هأنتـذا شَعِث الرأس في بُرْدَة }.

وهتف الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل من عليها من رفاق مصعب وقال: { إن رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة }.

ثم أقبل على أصحابه الأحياء حوله وقال: { أيها الناس زوروهم، وأتوهم وسلِّموا عليهم، فوالذي نفسي بيده لا يُسلم عليهم مُسَلِّم الى يوم القيامة، إلا ردّوا عليه السلام }.

  
لبيد بن ربيعة رضي الله عنه

لبيد بن ربيعة رضي الله عنه أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: { ألا كل ما خلا الله باطل } حديث شريف.

لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك الكِلابيّ، كان فارساً شجاعاً، شاعراً من فحول الشعراء، قال الشعر في الجاهلية دهراً، وقلّ في الإسلام.

 أسلم وحسن إسلامه، فرجع الى قومه، ثم نزل الكوفة حتى مات فيها.

 أصدق الشعر روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: { أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد، ألا كل ما خلا الله باطل }.

والشطر الثاني: وكل نعيم لا محالة زائل - إلا نعيم الجنة.

 من شعره من قوله في الإسلام:

ما عاتَبَ المَرْءَ اللبيبَ كنفسِهِ                  والمَرْءُ يُصْلِحُهُ الجَليسُ الصالِحُ

ومن قوله أيضاً:

الحمدُ لله إذْ لم يأتني أجلي            حتى لبستُ مِنَ الإسلامِ سِرْبالاَ

ولمّا اشتدّ الجَدْبُ على مضر بدعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- وفد عليه وفد قيس وفيهم لبيد فأنشد.

أتَيْناكَ يا خيرَ البريّة كلِّها             لترحمنا ممّا لقينا من الأزْلِ

أتيناكَ والعَذراء تدمَى لبَانُها                   وقد ذهَلَت أمُّ الصبيّ عن الطفلِ

فإِنْ تَدْعُ بالسقيـا وبالعفو ترسل               السماءُ لنا والأمرُ يبقى على الأصلِ

وألقَى تكنّيه الشجاعُ استكانـةً     من الجوعِ صمتاً لا يمرُّ ولا يُحلي

قال له عمر بن الخطاب يوماً: { يا أبا عقيل، أنشدني شيئاً من شعرك }.

فقال: { ما كنت لأقول شعراً بعد أن علّمني الله البقرة وآل عمران }

فزاده عمر في عطائه خمسمائة، وكان ألفين.

 وفاته مات في سنة إحـدى وأربعيـن وكان قد عُمّر، وعلى الأرجح عاش مائـة وخمساً وأربعيـن سنة، منها خمس وخمسـون في الإسـلام، وتسعـون في الجاهلية.

  
كعب بن مالك رضي الله عنه

كعب بن مالك رضي الله عنه (أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك) حديث شريف.

قال كعب بن مالك -رضي الله عنه- يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك.

تخلفه عن بدر لم أتخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزاة غزاها قط الا غزاة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنها، وانما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليلة العقبة حين تواثقنا على الاسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وان كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر.

حاله في تبوك وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتها في تلك الغزاة.

 وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلما يريد غزوة يغزوها الا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز، واستقبل عددا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وجهه الذي يريد، والمسلمون مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ (الديوان).

قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب الا ظن أن ذلك سيخفى عليه، ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل.

تباطؤه في التجهيز وغزا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلك الغزاة حين طابت الثمار والظلال، وأنا والله أصعر (أميل للبقاء)، فتجهز اليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنون معه، فطفقت أغدو لكي اتجهز معهم فأرجع ولم أقض من جهازي شيئا، فأقول لنفسي: أنا قادر على ذلك ان أردت ! فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس بالجد، فأصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، وقلت: أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه !

فغدوت بعدما فصلوا (خرجوا) لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو (فات وقته)، فهممت أن ارتحل فألحقهم، وليت اني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت اذا خرجت في الناس بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحزنني أني لا أرى الا رجلا مغموصا (متهما) في النفاق، أو رجلا ممن عذره الله عز وجل.

 الرسول يسأل عنه ولم يذكرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: { ما فعل كعب بن مالك ؟!}.

فقال رجل من بني سلمة: { حبسه يا رسول الله براده والنظر في عطفيه }.

فقال معاذ بن جبل: { بئسما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه الا خيرا }.

 فسكت الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

 عودة الرسل من تبوك قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول: { بماذا أخرج من سخطه غدا ؟!}.

وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل ان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أظل قادما زاح عني الباطل، عرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه.

 صدقه مع الرسول فأصبح الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكان اذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون، فطفقوا يعتذرون اليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فيقبل منهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علانيتهم، ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم الى الله تعالى، حتى جئت، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: { تعال !}.

فجئت أمشي حتى جلست بين يديه،فقال لي: { ما خلفك ! ألم تكن قد اشتريت ظهرا ؟!}.

فقلت: { يا رسول الله، اني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك اليوم بحديث تجد علي فيه اني لأرجو عقبى ذلك من الله عز وجل ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك }.

قال: فقال الرسـول -صلى اللـه عليـه وسلم-: { أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك }.

 فقمت وقام الي رجال من بني سلمة وأتبعوني فقالوا لي: { والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما اعتذر به المتخلفون، فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لك }.

قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، قال: ثم قلت لهم: { هل لقي هذا معي أحد ؟}.

قالوا: { نعم، لقيه معك رجلان، قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك }.

فقلت: { فمن هما ؟}.

قالوا: { مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي }.

 فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا، لي فيهما أسوة.

 قال: فمضيت حين ذكروهما لي.

 النهي عن كلامه قال: ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم: فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم، وأقول في نفسي أحرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟!

ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فاذا أقبلت على صلاتي نظر الي فاذا التفت نحوه أعرض عني حتى اذا طال علي ذلك من هجر المسلمين، مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس الي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام فقلت له: { يا أبا قتادة، أنشدك الله، هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟}.

قال: فسكت.

قال: فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فسكت.

 فقال: { الله ورسوله أعلم }.

قال: ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينما أنا أمشي بسوق المدينة اذا أنا بنبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: { من يدل على كعب بن مالك ؟}.

قال: فطفق الناس يشيرون له الي، حتى جاء فدفع الي كتابا من ملك غسـان فاذا فيه: { أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبـك قد جفاك، وأن اللـه لم يجعلك في دار هوان ولا مضيعـة، فالحق بنا نواسك }.

قال: فقلت حين قرأته وهذا أيضا من البلاء.

قال: { فيممت به التنور فسجرته به أحرقته فيه}.

 الأمر بالاعتزال حتى اذا ما مضت أربعون ليلة من الخمسين، اذا برسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأتيني يقول: { يأمرك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تعتزل امرأتك }.

قال: فقلت: { أطلقها أم ماذا أفعل ؟}.

فقال: { بل اعتزلها ولا تقرنها }.

قال: وأرسل الى صاحبي بمثل ذلك.

 قال: فلبثنا عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا.

قال: ثم صليت صلاة الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا: قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: { أبشر يا كعب بن مالك }.

 قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء الفرج من الله عز وجل بالتوبة علينا.

فأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض الي رجل فرسا، وسعى ساع من "أسلم" وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جائني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما اياه ببشارته، والله ما أملك يومئذ غيرهما.

 البشارة والفرج واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أؤم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بتوبة الله، يقولون: { ليهنك توبة الله عليك }.

 حتى اذا دخلت المسجد، فاذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس في المسجد والناس حوله، فقام الي طلحة بن عبدالله يهرول حتى صافحني وهنأنـي، فلما سلمت على رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- قال وهو يبرق وجهه من السرور: { أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك }.

قال: قلت: { أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله ؟}.

قال: { لا، من عند الله }.

 قال: وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، حتى يعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: { يا رسول الله، ان من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة الى الله والى رسوله}.

قال: { أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك }.

قال: فقلت: { فاني أمسك سهمي الذي بخيبر }.

 وقلت: { يا رسول الله انما نجاني الله بالصدق، وان من توبتي ألا أحدث الا صدقا ما بقيت }.

 قال: { فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحسن مما أبلاني الله تعالى، ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى يومي هذا، واني لأرجو أن يحفظني الله عز وجل فيما بقى }.

 وأنزل الله تعالى: (( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ )) * (( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )) * (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )) [التوبة:177-119].

  
قيس بن عاصم رضي الله عنه

قيس بن عاصم رضي الله عنه { هذا سيد أهل الوبر } حديث شريف.

قيس بن عاصم بن سنان المنقريّ التميميّ، صحابي سيّد كريم حليم وفد على النبي -صلى الله عليه وسلم- سنة تسع في وفد بني تميـم....

فقال عنه: { هذا سيد أهل الوبر }.

عيّنه النبي الكريم على صدقات مُقاعس وبطون أسد وغطفان، وتحوّل الى البصرة حيث مات.

 إسلامه عندما أسلم قيس بن عاصم أمره الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالإغتسال بماءٍ وسدْرٍ، فاغتسل، فأقيمت الصلاة، فدخل بين أبي بكر و عمر فقام بينهما، فلما قضى الصلاة قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: {لقد سألني قيس عن ثلاث كلمات ما سألني عنها غيرُ أبي بكر }.

 خُلُقُه كان قيس بن عاصم حليماً يُقتدى به، فقد قيل للأحنف: { ممن تعلمت الحِلْم ؟}.

قال: { من قيس بن عاصم !! رأيته يوماً محتبياً فأتي برجلٍ مكتوف وآخر مقتول، فقيل: هذا ابن أخيك، قتل ابنك }.

فالتفت الى ابن أخيه فقال: { يا ابن أخي ! بئسَمَا فعلت، أثمت بربّك، وقطعت رَحِمَك، ورميت نفسك بسهمك }.

ثم قال لابن له آخر: { قُمْ يا بني فوارِ أخاك، وحُلَّ كتاف ابن عمّك، وسُقْ إلى أمّهِ مائةَ ناقة ديَة ابنها، فإنها غريبة }.

 قال له أبو بكر: { صِفْ لنا نفسك }.

فقال: { أما في الجاهلية فما هممتُ بملامة، ولا حُمْتُ على تهمةٍ، ولم أُرَ إلا في خيلٍ مغيرةٍ أو نادي عشيرة، أو حامي جريرة، أمّا في الإسلام فقد قال الله تعالى: { فلا تُزكّوا أنفسكم }}.

فأعجب أبو بكر.

 المال قال قيس بن عاصم للرسول -صلى الله عليه وسلم-: { يا رسول الله ! المالُ الذي لا تبعة عليّ فيه ؟}.

قال: { نِعْم المال الأربعون، وإن كثر فستون، ويلٌ لأصحاب المئيـن إلا من أدى حقّ اللـه في رِسْلِها ونَجْدتها، وأطـرق فحلَها، وأفقـر ظهرها، ومنـح غزيرتها، ونحرَ سمينتها، وأطعم القانع والمعتر }.

فقال قيـس: { يا رسـول الله ما أكرم هذه الأخلاق وأحسنها }.

قال: { يا قيـس أمالك أحب إليك أم مال مواليـك ؟}.

قال: { بل مالي }.

قال: { فإنما لك من مالك ما أكلتَ فأفنيتَ أو لبست فأبليتَ أو أعطيت فأمضيتَ وما بقي فلورثتكَ }.

فقال: { يا رسول الله ! لئن بقيتُ لأدعنّ عددها قليلاً }.

 الوأد كان قيس بن عاصم أول من وأد بالجاهلية، وقد قال له أبو بكر: { ما حملك على أن وأدت ؟}.

 فقال: { خشيت أن يخلف عليهنّ غيرُ كُفْوءٍ }.

وقد جاء قيس بن عاصم الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: { إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية }.

وفي رواية أخرى اثنتي عشرة.

فقال له الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم-: { اعتق عن كل واحدة منهن رقبة }.

وقال: { إني صاحـب إبل }.

قال: { اهدِ إن شئـتَ عن كل واحدة منهن بدنة }.

وكان لقيس ثلاث وثلاثون ولداً.

 تحريم الخمر حرّم قيس بن عاصم على نفسه الخمر في الجاهلية، وكان سبب ذلك أنه غمز عكثة ابنته وهو سكران، وسبّ أبويها، وأعطى الخُمّار كثيراً من ماله، فلمّا أفاق أخبر بذلك، فحرّمها على نفسه وقال في ذلك: {.

 رأيت الخمـر صالحةً وفيها.

00خصال تفسد الرجلَ الحليمـا فلا واللـه أشربها صحيحاً.

ولا أشفى بها أبـداً سقيمَـا ولا أعطـي بها ثمناً حياتي.

ولا أدعـو لها أبـداً نديمَـا فإن الخمرَ تفضـح شاربيها.

وتجنيـهم الأمـر العظيمَـا الوصايا لمّا حضرت قيس بن عاصم الوفاة دعا بنيه فقال: يا بنيّ احفظوا عني فلا أحد أنصح لكم مني، إذا أنا مت فسوِّدوا كبارَكم، ولا تُسَوِّدوا صغارَكم، فتُسَفِّه الناس كبارَكم، وتهونوا عليهم، وعليكم بإصلاح المال، فإنه منبهة للكريم، ويستغني به عن اللئيم، وإياكم ومسألة الناس، فإنها آخر كسب المرء ولا تقيموا عليّ نائحةً فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن النائحة }.

 الوفاة ونزل قيس البصرة ومات فيها، ولمّا مات رثاه عَبْدة بن الطبيب بقوله: { عليكَ سلامُ الله قيسَ بن عاصمٍ ورحمتُهُ ما شاءَ أن يترحّما وما كان قيسٌ هُلْكه هُلْكُ واحدٍ، ولكنّـه بُنيانُ قومٍ تهدّمـا }...

  
قيس بن سعد رضي الله عنه

قيس بن سعد بن عبادة أدهى العرب { لولا الاسلام أن الجود شيمة أهل هذا البيت } حديث شريف.

إنه الأنصاري الخزرجي ابن سعد بن عبادة زعيم الخزرج، حين أسلم والده أخذ بيده الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائلا: { هذا خادمك يا رسول الله }.

رأى الرسول صلى الله عليه وسلم- فيه سمات التفوق والصلاح، فأدناه منه حتى أصبح بمكان صاحب....

الشرطة من الأمير.

كما قال أنس -رضي الله عنه-، وكان يعامله الأنصار على حداثة سنه كزعيم ويقولون: { لو استطعنا أن نشتري لقيس لحية بأموالنا لفعلنا }.

فلم ينقصه شيء من الزعامة سوى اللحية، فقد كان أجرد.

 دهاء قيس لقد كان قيس بن سعد ذكيا، يعامل الناس بفطنة، لذا كان أهل المدينة يحسبون لدهائه ألف حساب، ولكن بعد اسلامه أخذ يعامل الناس باخلاصه لا دهائه ولم يعد ينسج المناورات القاتلة، وعندما يتذكر ماضيه يضحك قائلا: { لولا الاسلام، لمكرت مكرا لا تطيقه العرب }.

 جوده وكرمه وكان الشيء الوحيد الذي يفوق ذكاءه هو كرمه وجوده، فهو من بيت جود وكرم، وكان لأسرته مناد يقف فوق مرتفع لهم ينادي الضيفان الى طعامهم نهارا، أو يوقد النار لتهدي الغريب ليلا، وكان الناس يقولون: { من أحب الشحم، واللحم، فليأت أطم دليم بن حارثة }.

ودليم هو الجد الثاني لقيس، ويقول أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما-: { لو تركنا هذا الفتى لسخائه، لأهلك مال أبيه }.

فلما سمعهما والده سعد صاح قائلا: { من يعذرني من أبي قحافة وابن الخطاب، يبخلان علي ابني }.

كما كان قيس اذا جاءه من يرد له دينه يقول: { انا لا نعود في شيء أعطيناه }.

 شجاعته تألقت شجاعة قيس -رضي الله عنه- في جميع المشاهد التي صاحب فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو حي، شجاعة نابعة من الصدق مع النفس والاخلاص للحق، تألقت حتى بعد رحيل الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وحين حدث الخلاف بين علي و معاوية بحث قيس -رضي الله عنه- عن الحق مع نفسه حتى وجده مصاحبا لعلي -رضي الله عنه-، فنهض الى جانبه قويا شامخا، فقد تألق في معارك صفين، والجمل، والنهروان، وكان يحمل لواء الأنصار ويصيح قائلا هذا اللواء الذي كنا نحف به.

مع النبي، وجبريل لنا مدد ما ضر من كانت الأنصار عيبته، ألا يكون له من غيرهم أحد وقد ولاه علي حكم مصر، وكانت عين معاوية عليها دوما، فأخذ معاوية يدس الحيل عند علي ضد قيس، حتى استدعاه الأمير، فادرك قيس بذكائه حيلة معاوية ضده، فلم يكترث لعزله من الولاية، وانما زاد ولاء لعلي -كرم الله وجهه-.

 وبعد استشهاد علي -رضي الله عنه- بايع قيس الحسن -رضي الله عنه- مقتنعا بأنه الوارث الشرعي للامامة، وحينما حملوا السيوف أمام معاوية يقود قيس خمسة آلاف ممن حلقوا رءوسهم حدادا على علي، ولكن يؤثر الحسن أن يحقن دماء المسلمين، فيبايع معاوية -رضي الله عنه-، وهنا يجد قيس -رضي الله عنه- نفسه أمام جيشه الذي من حقه الشورى في مبايعة معاوية أو الاستمرار في القتال، فاختاروا المبايعة.

 موته وفي عام تسع وخمسين للهجرة مات الداهية في المدينة المنورة، بعد أن روض الاسلام دهاءه، مات الرجل الذي يقول: { لولا سمعت الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: المكر والخديعة في النار، لكنت من أمكر هذه الأمة}.

  
عمير بن وهب رضي الله عنه

عمير بن وهب رضي الله عنه { والذي نفسي بيده لخنزير كان أحبَّ إليَّ من عمير حين طلع علينا }.

ولهو اليوم أحبُّ إلي من بعض ولدي عمر بن الخطاب عمير بن وهب الجُمَحي كان يلقبه أهل مكة بشيطان قريش، وبعد إسلامه أصبح حواريّ باسل من حواريِّ الإسلام ولاءه الدائم للرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين.

 يوم بدر وفي يوم بدر كان واحدا من قادة المشركين الذين حملوا سيوفهم ليجهزوا على الإسلام، كان حديد البصر محكم التقدير، ندبه فومه ليستطلع لهم عدد المسلميـن، وإذا كان من ورائهم كميـن أو مـدد، فعاد من معسكـر المسلميـن قائلا لقومه: { إنهم ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلا أو ينقصون }.

وسألوه: { هل وراءهم أمداد لهم }.

فقال: { لم أجد وراءهم شيئا، ولكن يا معشر قريش رأيت المطايا تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم مَنَعة ولا ملجـأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجـل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم مثل عددهم، فما خير العيش بعد ذلك ؟ فانظروا رأيكم }.

وتأثر الرجال بقوله وكادوا يعودون الى مكة، لولا أبو جهل الذي أضرم نار الحقد في نفوسهم فكان هو أول قتلاها.

 وعادت قريش مهزومة، كما خلّف عمير وراءه ابنه في الأسر.

 المؤامرة وذات يوم جلس عمير بن وهب مع ابن عمه صفوان بن أمية، وكان حقد صفوان على المسلمين كبيرا فقد قتل أباه أمية بن خلف في بدر،فقال صفوان وهو يتذكر قتلى بدر: { والله ما في العيش بعدهم خير }.

فقال له عمير: { صدقت، ووالله لولا دَيْن عليّ لا أملك قضاءه، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت الى محمد حتى أقتله، فإن لي عنده عِلّة أعتَلّ بها عليه: أقول قدمت من أجل ابني هذا الأسير }.

فاغتنمها صفوان وقال: { عليّ دَيْنك، أنا أقضيه عنك، وعيالُك مع عيالي أواسيهم ما بقوا }.

فقال له عمير: { إذن فاكتم شأني وشأنك }.

ثم أمر عمير بسيفه فشُحذ له وسُمَّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة.

 قدوم المدينة وبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، إذ نظر عمر فرأى عمير بن وهب قد أناخ راحلته على باب المسجد متوشحا سيفه، فقال: { هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء إلا لشر، فهو الذي حرّش بيننا وحَزَرنا للقوم يوم بدر }.

ثم دخل عمر على الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: { يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء مُتَوشحا سيفه }.

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: { أدخله علي }.

فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عُنُقه، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار: { ادخلوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون }.

 إسلامه ودخل به عمر على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو آخذ بحمالة سيفه في عُنقه، فلما رآه الرسول قال: { دعه يا عمر، ادْنُ يا عمير }.

فدنا عمير وقال: { انعموا صباحا }.

وهي تحية الجاهلية.

فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم-: { قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة }.

فقال عمير: { أما والله يا محمد إن كُنتُ بها لَحديث عهد }.

قال الرسول: { فما جاء بك يا عمير ؟}.

قال: { جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم }.

قال النبي: { فما بال السيف في عُنُقك ؟}.

قال عمير: { قبَّحها الله من سيوف، وهل أغنت عنّا شيئا ؟!}.

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: { أصدقني يا عمير، ما الذي جئت له ؟}.

قال: { ما جئت إلا لذلك }.

قال الرسول الكريم: { بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دَيْن علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك }.

وعندئذ صاح عمير: { أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، هذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله ما أنبأك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام }.

فقال الرسول لأصحابه: { فَقِّهوا أخاكم في الدين وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره }.

 النبأ المنتظر ومنذ غادر عمير بن وهب مكة الى المدينة راح صفوان ينتظر وهو فرحا مختالا، وكلما سئل عن سبب فرحه يقول: { أبشروا بوقعة يأتيكم نبأها بعد أيام تُنسيكم بدر }.

وكان يخرج كل صباح الى مشارف مكة ويسأل القوافل والركبان: { ألم يحدث بالمدينة أمر ؟}.

حتى لقي مسافر أجابه: { بلى حدث أمر عظيم }.

وتهلَّلت أسارير صفوان وعاد يسأل الرجل: { ماذا حدث اقصص علي ؟}.

فأجابه الرجل: { لقد أسلم عمير بن وهب، وهو هناك يتفقه في الدين ويتعلم القرآن }.

ودارت الأرض بصفوان وأصبح حُطاما بهذا النبأ العظيم.

 العودة الى مكة أقبل عمير على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم وقال: { يا رسول الله، إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله عز وجل، وإني لأحب أن تأذن لي فأقدُم مكة فأدعوهم الى الله تعالى، والى رسوله والى الإسلام، لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم }.

وبالفعل عاد عمير -رضي الله عنه- الى مكة وأول من لقيه كان صفوان بن أمية، وما كاد يراه حتى هم بمهاجمته، ولكن السيف المتحفز في يد عمير ردَّه الى صوابه، فاكتفى بأن ألقى على سمع عمير بعض شتائمه ومضى في سبيله، ودخل عمير مكة مسلما في روعة صورة عمر بن الخطاب يوم إسلامه، وهكذا راح يعوض ما فاته، فيبشر بالإسلام ليلا نهارا، علانية وجهرا، يدعو الى العدل والإحسان والخير، وفي يمينه سيفه يُرهب به قطاع الطرق الذين يصدون عن سبيل الله من آمن به، وفي بضعة أسابيع كان عدد الذين أسلموا على يد عمير يفوق عددهم كل تقدير، وخرج بهم عمير -رضي الله عنه- الى المدينة بموكب مُهلل مُكبر.

 فتح مكة وفي يوم الفتح العظيم، لم ينس عمير صاحبه وقريبه صفوان، فراح إليه يُناشده الإسلام ويدعوه إليه، بيد أن صفوان شدّ رحاله صوب جدّة ليبحر منها الى اليمن، فذهب عمير الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال له: { يا نبي الله، إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر، فأمِّـنه صلى الله عليك }.

فقال النبي: { هو آمن }.

قال: { يا رسول الله فأعطني آية يعرف بها أمانك }.

فأعطاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- عمامته التي دخل فيها مكة.

 فخرج بها عمير حتى أدرك صفوان فقال: { يا صفوان فِداك أبي وأمي، الله الله في نفسك أن تُهلكها، هذا أمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد جئتك به }.

قال له صفوان: { وَيْحَك، اغْرُب عني فلا تكلمني }.

قال: { أيْ صفوان فداك أبي وأمي، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفضـل الناس وأبـر الناس، وأحلـم الناس وخيـر الناس، عِزَّه عِزَّك، وشَرَفه شَرَفـك }.

قال: { إنـي أخاف على نفسـي }.

 قال: { هو أحلم من ذاك وأكرم }.

 فرجع معه حتى وقف به على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال صفوان للنبي الكريم: { إن هذا يزعم أنك قـد أمَّـنْتَنـي }.

قال الرسـول -صلى الله عليه وسلم-: { صـدق }.

قال صفـوان: { فاجعلني فيها بالخيار شهريـن }.

فقـال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: { أنت بالخيار فيه أربعة أشهر }.

وفيما بعد أسلم صفوان، وسَعِدَ عمير بإسلامه أيما سعادة.

  
عمير بن سعد رضي الله عنه

عمير بن سعد نسيج وحده يا غُلام وَفَت أذُنُك.

وصَدَّقت ربُّك " حديث شريف عمير بن سعد أبوه سعد القارئ -رضي الله عنه- شهد المشاهد كلها مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-حتى استشهد في معركة القادسية، اصطحب ابنه عمير الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- فبايع النبي وأسلم، ومنذ ذلك الوقـت وعمير عابد مقيم في محـراب الله، ودائما في الصفوف الأولى للمسلمين، وكان المسلمون يلقبونه (بنسيج وحده).

قوة إيمانه لقد كان له -رضي الله عنه- في قلوب الأصحاب مكانا وَوُداً فكان قرة أعينهم، كما أن قوة إيمانه وصفاء سنه وعبير خصاله كان يجعله فرحة لكل من يجالسه، ولم يكن يؤثر على دينه أحد ولا شيئا، فقد سمع قريبا له { جُلاس بن سويد بن الصامت } يقول: { لئن كان الرجل صادقا، لنحن شرٌّ من الحُمُر !}.

وكان يعني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان جُلاس دخل الإسلام رَهَبا، سمع عمير بن سعد هذه العبارة فاغتاظ و احتار، الغيظ أتى من واحد يزعم أنه من المسلمين ويقول ذلك عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-بلهجة رديئة، والحيرة أتت من مسئوليته تجاه هذا الذي سمع وأنكر، أينقل ما سمع للرسول ؟.

كيف والمجالس بالأمانة ؟.

أيسكت عما سمع ؟.

ولكن حيرته لم تطل، وعلى الفور تصرف عمير كرجل قوي وكمؤمن تقي، فقال لجُلاس: { والله يا جُلاس إنك لمن أحب الناس إلي، وأحسنهم عندي يدا، واعَزهم عليّ أن يُصيبه شيء يكرهه، ولقد قلت الآن مقالة لو أذَعْتها عنك لآذتك، ولو صمَتّ عليها ليهلكن ديني وإن حق الدين لأولى بالوفاء، وإني مُبلغ رسول الله ما قلت }.

وهكذا أدى عمير لأمانة المجالس حقها، وأدى لدينه حقه، كما أعطى لجُلاس الفرصة للرجوع الى الحق.

بيد أن جُلاس أخذته العزة بالإثم، وغادر عمير المجلس وهو يقول: { لأبلغن رسول الله قبل أن ينزل وحي يُشركني في إثمك }.

وبعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- في طلب جُلاس فأنكر وحلف بالله كاذبا، فنزلت آية تفصل بين الحق والباطل.

 قال تعالى: { يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر، وكفروا بعد إسلامهم وهمّوا بما لم ينالوا، وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله، فإن يتوبوا يَكُ خيرا لهم، وإن يتولّوْا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة، وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير }.

 فاعترف جُلاس بمقاله واعتذر عن خطيئته، وأخذ النبي بأُذُن عمير وقال له: { يا غُلام، وَفَت أذُنك، وصَدّقت ربّك }.

 الولاية اختار عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عمير واليا على حمص، وحاول أن يعتذر عمير ولكن ألزمه أمير المؤمنين بذلك، فاستخار عمير ربه ومضى الى واجبه، وفي حمص مضى عليه عام كامل، لم يصل الى المدينة منه خراج بل ولم يَبْلُغ أمير المؤمنين منه كتاب، فبعث عمر الى عمير -رضي الله عنهما- ليأتيه الى المدينة،فأتى الى المدينة أشعث أغبر يكاد يقتلع خطاه من الأرض اقتلاعا من طول مالاقى من عناء، على كتفه اليمنى جراب وقَصْعة، وعلى كتفه اليسرى قِرْبة صغيرة فيها ماء، وإنه ليتوكأ على عصا، لا يئودها حمله الضامر الوهنان.

 ودخل عمير على مجلس عمر وقال: { السلام عليك يا أمير المؤمنين }.

ويرد عمر السلام ثم يسأله وقد آلمه ما رآه عليه من جهد وإعياء: { ما شأنك يا عمير ؟}.

فقال: { شأني ما ترى، ألست تراني صحيح البدن، طاهر الدم، معي الدنيا أجُرُّها بقَرْنيها ؟}.

قال عمر: { وما معك ؟}.

قال عمير: { معي جرابي أحمل فيه زادي، وقَصْعَتي آكل فيها، وإداوتي أحمل فيها وضوئي وشرابي، وعصاي أتوكأ عليها، وأجاهد بها عدوّا إن عَرَض فوالله ما الدنيا إلا تَبعٌ لمتاعي !}.

قال عمر: { أجئت ماشيا ؟}.

قال عمير: { نعم }.

قال عمر: { أو لم تجد من يعطيك دابة تركبها ؟}.

قال عمير: { إنهم لم يفعلوا، وإني لم أسألهم }.

قال عمر: { فماذا عملت فيما عهدنا إليك به ؟}.

قال عمير: { أتيت البلد الذي بعثتني إليه، فجمعت صُلَحَاء أهله، وولّيتهم جِباية فَيْـئهـم وأموالهم، حتى إذا جمعوها وضعتها في مواضعها، ولو بقـي لك منها شيء لأتيتـك به }.

فقال عمر: {فما جئتنا بشيء ؟}.

قال عميـر: { لا }.

فصاح عمر وهو سعيد: { جدِّدوا لعمير عهدا }.

وأجابه عمير: { تلك أيام قد خلت، لا عَمِلتُ لك ولا لأحد بعدك }.

 فضله وبقي عمر بن الخطاب يتمنى ويقول: { وَدِدْتُ لو أن لي رجالا مثل عُمير أستعين بهم على أعمال المسلمين }.

فقد كان عمير بحق (نسيج وحده)، فقد كان يقول من فوق المنبر في حمص: { ألا إن الإسلام حائـط منيع، وباب وثيـق، فحائط الإسـلام العدل، وبابه الحق، فإذا نُقِـضَ الحائط وحُطّـم الباب استُفْتِـح الإسـلام، ولا يزال الإسـلام منيعا ما اشتد السلطان، وليست شدة السلطان قتلا بالسيف ولا ضربا بالسوط، ولكن قضاء بالحـق، وأخذاً بالعـدل }.

  
عمرو بن العاص رضي الله عنه

عمرو بن العاص رضي الله عنه: { يا عمرو بايع  فإن الإسلام يَجُبُّ ما كان قبله }.

 حديث شريف كان عمـرو بن العاص أحد ثلاثة في قريش أتعبوا الرسـول -صلى الله عليه وسلم- بعنف مقاومتهم وإيذائهم لأصحابه، وراح الرسول يدعو عليهم ويبتهل لينزل العقاب بهم فنزل الوحي بقوله تعالى.

 " لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ مِنْ شيء أوْ يتوبَ عليهم أو يُعَذِّبهم فإنهم ظالمون " وكـف الرسول الكريم عن الدعاء عليهم وترك أمرهـم الى الله، واختار اللـه لعمرو بن العاص طريق التوبة والرحمة، فأسلم وأصبح مسلم مناضل وقائد فذ..

إسلامه:

 أسلم عمرو بن العاص -رضي الله عنه- مع (خالد بن الوليد) قُبيل فتح مكة بقليل { شهر صفر سنة ثمان للهجرة } وبدأ إسلامه على يد النجاشي بالحبشة ففي زيارته الأخيرة للحبشة جاء ذكر النبي الجديد ودعوته وما يدعو له من مكارم الأخلاق، وسأل النجاشي عمرا كيف لم يؤمن به ويتبعه وهو رسول الله حقاً، فسأل عمرو النجاشي: { أهو كذلك ؟}.

وأجابه النجاشي: { نعم، فأطِعْني يا عمرو واتبعه، فإنه والله لعلى الحق، ولَيَظْهرنّ على من خالفه }.

وركب عمرو من فوره عائدا لبلاده ومتجها الى المدينة ليسلم لله رب العالمين، وفي طريق المدينة التقى { خالد بن الوليد } الساعي الى الرسول ليعلن إسلامه أيضا، وما كاد الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يراهم حتى تهلل وجهه و قال لأصحابه: { لقد رَمَتْكم مكة بفَلَذات أكبادها }.

وتقدم خالد فبايع، وتقدم عمرو فقال: { إني أبايعك على أن يغفر الله لي ما تقدّم من ذنبي }.

فأجابه الرسول الكريم: { يا عمرو بايع.

 فإن الإسلام يَجُبُّ ما كان قبله }.

 وبايع عمرو ووضع كل ما يملك في خدمة الدين الجديد.

 فضله كان فزعٌ بالمدينة فأتى عمرو بن العاص على سالم مولى أبي حذيفة وهو مُحْتَبٍ بحمائل سيفِه، فأخذ عمرو سيفه فاحتبى بحمائله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: { يا أيها الناس ! ألا كان مفزعكم إلى الله وإلى رسوله }.

ثم قال: { ألا فعلتم كما فَعَل هذان الرجلان المؤمنان }.

 مُحَرِّر مِصْر كانت مصر من أهم ولايات الإمبراطورية الرومانية، وقد استغل الروم ثرواتها وحرموا منها السكان واستباحوا أهلها حتى أصبح الناس في ضيق لأن الروم فرضوا عليهم مذهبهم الديني قسرا، فلما بلغ المصريون أنباء الفتوحات الإسلامية وعدالة المسلمين وسماحتهم تطلعت أنظارهم إليهم لتخليصهم مما هم فيه،واتجه عمرو بن العاص سنة (18 هجري) على رأس جيش من أربعة آلاف مقاتل متجها الى مصر، وأمام شدة المقاومة طلب عمرو المدد من أمير المؤمنين فأرسل إليه أربعة آلاف جندي وتقدّم المسلمون وحاصروا حصن بابليون لمدة سبعة أشهر وتمكنوا من فتحه.

 ثم اتجهوا الى الإسكندرية فوجدوا مقاومة من حاميتها فامتد حصارها الى أربعة أشهر وأخيرا فتحت الإسكندرية وعقدت معاهدة الإسكندرية، ولقد كان -رضي الله عنه- حريصا على أن يباعد أهل مصر وأقباطها عن المعركة، ليظل القتال محصورا بينه وبين جنود الرومان، وتحدث عمرو مع زعماء الأنصار وكبار أساقفتهم فقال: { إن الله بعث محمدا بالحق وأمره به، وإنه -عليه الصلاة والسلام- قد أدّى رسالته، ومضى بعد أن تركنا على الواضِحَة، وكان مما أمرنا به الإعذار الى الناس، فنحن ندعوكم الى الإسلام، فمن أجابنا فهو مِنّا له مالنا وعليه ما علينا، ومن لم يُجِبنا الى الإسلام عرضنا عليه الجزْية وبذلنا له الحماية والمنعة، ولقد أخبرنا نبينا أن مصر ستفتح علينا، وأوصانا بأهلها خيرا فقال: ستُفْتَح عليكم بعدي مصر، فاسْتَوصوا بِقِبْطها خيرا، فإن لهم ذِمّة ورَحِما }.

فإن أجبتمونا الى ما ندعوكم إليه كانت لكم ذِمّة الى ذِمّة }.

 وفرغ عمرو من كلماته فصاح بعض الأساقفة والرهبان قائلا: { إن الرّحِم التي أوصاكم بها نبيكم لهي قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء }.

 حُبِّ الإمارة مما امتاز به عمرو بن العاص حُبّه للإمارة، فشكله الخارجي ومشيته وحديثه كلها تدل على أنه خُلِق للإمارة، حتى أن في أحد الأيام رآه أمير المؤمنين عمر وهو مقبل فابتسم لِمَشْيَته وقال: { ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرا }.

والحق أن عمرو لم يُبْخِس نفسه هذا الحق، فمع كل الأحداث الخطرة التي اجتاحت المسلمين، كان عمرو يتعامل معها بأسلوب أمير معه من الذكاء والدهاء ما يجعله واثقا بنفسه مُعْتَزا بتفوقه، وقد أولاه عمر بن الخطاب ولاية فلسطين والأردن، ثم على مصر طوال حياة أمير المؤمنين، وعندما علم ابن الخطاب أن عمراً قد اجتاز حد الرخاء في معيشته أرسل إليه (محمد بن مَسْلمة) وأمره أن يقاسم عمراً جميع أمواله وأشيائه، فيبقى له نصفها ويحمل معه الى بيت مال المسلمين بالمدينة النصف الآخر، ولو علم أمير المؤمنين عمر أن حب عمرو للإمارة سيحمله على التفريط في مسئولياته لما أبقاه في الولاية لحظة واحدة.

 ذكاؤه ودهاؤه كان عمـرو بن العاص حاد الذكاء، قوي البديهة عميق الرؤية، حتى أن أمير المؤمنين عمـر كان إذا رأى إنسانا عاجز الحيلة، صـكّ كفيه عَجبا وقال: { سبحان الله! إن خالق هذا وخالق عمرو بن العاص إله واحد }.

كما كان عمرو بن العاص جريئا مِقْداما، يمزج ذكائه بدهائه فيُظَنّ أنه جبان، بيد أنها سعة حيلة يُخرج بها نفسه من المآزق المهلكة، وكان عمر بن الخطاب يعرف ذلك فيه، وعندما أرسله الى الشام قيل له: { إن على رأس جيوش الروم بالشام أرطبونا }.

أي قائدا وأميرا من الشجعان الدُّهاة، فكان جواب أمير المؤمنين: { لقد رمينا أرْطَبون الروم بأرْطَبون العرب، فلننظر عمَّ تنفَرج الأمور }.

ولقد انفرجت عن غلبة ساحقة لأرطبون العرب وداهيتهم عمرو بن العاص على أرطبون الروم الذي ترك جيشه للهزيمة وولى هاربا الى مصر.

ولعل من أشهر المواقف التي يظهر فيها دهاء عمرو موقف التحكيم بين عليا ومعاوية، وموقفه من قائد حصن بابليون.

 التحكيم في الخلاف بين علي ومعاوية نصل الى أكثر المواقف شهرة في حياة عمرو، وهو موقفه في التحكيم وكانت فكرة أبو موسى الأشعري (المُمَثِّل لعلي) الأساسية هي أن الخلاف بينهما وصل الى نقطة حرجة، راح ضحيتها الآلاف، فلابد من نقطة بدء جديدة، تعطي المسلمين فرصة للاختيار بعد تنحية أطراف النزاع، وأبوموسى الأشعري على الرغم من فقهه وعلمه فهو يعامل الناس بصدقه ويكره الخداع والمناورة التي لجأ اليها الطرف الآخر ممثلا في عمرو بن العاص (مُمَثِّل معاوية) الذي لجأ الى الذكاء والحيلة الواسعة في أخذ الراية لمعاوية.

 ففي اليوم التالي لاتفاقهم على تنحية علي ومعاوية وجعل الأمر شورى بين المسلمين.

دعا أبوموسى عمرا ليتحدث فأبى عمرو قائلا: { ما كنت لأتقدمك وأنت أكثر مني فضلا وأقدم هجرة وأكبر سنا }.

وتقدم أبو موسى وقال: { يا أيها الناس، انا قد نظرنا فيما يجمع الله به ألفة هذه الأمة ويصلح أمرها، فلم نر شيئا أبلغ من خلع الرجلين - علي ومعاوية - وجعلها شورى يختار الناس لأنفسهم من يرونه لها، واني قد خلعت عليا ومعاوية، فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من أحببتم }.

وجاء دور عمرو بن العاص ليعلن خلع معاوية كما تم الاتفاق عليه بالأمس، فصعد المنبر وقال: { أيها الناس، ان أباموسى قد قال ما سمعتم، وخلع صاحبه، ألا واني قد خلعت صاحبه كما خلعه، وأثْبِت صاحبي معاوية، فانه ولي أمير المؤمنين عثمان والمطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه !!}.

 ولم يحتمل أبوموسى المفاجأة، فلفح عمرا بكلمات غاضبة ثائرة.

فقد أنفذ أبو موسى الإتفاق وقَعَد عمرو عن إنفاذه.

 حصن نابليون أثناء حربه مع الرومان في مصر، { وفي بعض الروايات التاريخية أنها وقعت في اليرموك }، دعاه أرطبون الروم وقائدهم لمحادثته، وكان قد أعطى أوامره لرجاله بإلقاء صخرة فوق عمرو إثر إنصرافه من الحصن، ودخل عمرو على القائد لا يريبه منه شيء، وانفض اللقاء، وبينما هو في طريق الخروج لمح فوق أسوار الحصن حركة مريبة حركّت فيه الحرص والحذر، وعلى الفور تصرف بشكل باهر، لقد عاد الى قائد الحصن في خطوات آمنة مطمئنة ولم يثر شكوكه أمر، وقال للقائد: { لقد بادرني خاطر أردت أن أطلعك عليه، إن معي حيث يقيم أصحابي جماعة من أصحاب الرسول السابقين الى الإسلام، لا يقطع أمير المؤمنين أمرا دون مشورتهم، ولا يرسل جيشا من جيوش الإسلام إلا جعلهم على رأس مقاتلته وجنوده، وقد رأيت أن آتيك بهم حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت، ويكونوا من الأمر على مثل ما أنا عليه من بيّنة }.

وأدرك قائد الروم أن عمرا بسذاجة قد منحه فرصة العمر، فليوافقه الآن الرأي، وإذا عاد ومعه هذا العدد من زعماء المسلمين وخيرة رجالهم، أجهز عليهم جميعا، بدلا من أن يجهز على عمرو وحده، وألغيت خطة اغتيال عمرو، وودّع عمرو بحرارة، وابتسم داهية العرب وهو يغادر الحصن، وفي الصباح عاد عمرو على رأس جيشه الى الحصن ممتطيا صهوة فرسه.

 وفاته وفي السنة الثالثة والأربعين من الهجرة، أدركت الوفاة عمرو بن العاص بمصر حيث كان واليا عليها، وراح يستعرض في لحظات الرحيل حياته فقال: { كنت أول أمري كافرا، وكنت أشد الناس على رسول الله، فلو مِتّ يومئذ لوجَبَت لي النار، ثم بايعت رسول الله، فما كان في الناس أحد أحبّ إلي منه، ولا أجلّ في عيني منه، ولو سُئِلْتُ أن أنْعَتَه ما استطعت، لأني لم أكن أقدر أن أملأ عيني منه إجلالا له، فلو مِتّ يومئذ لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم بُليت بعد ذلك بالسلطان، وبأشياء لا أدري أهي لي أم عليّ }.

 ثم رفـع بصره الى السماء في ضَراعـة مناجيا ربه الرحيم قائلا: { اللهم لا بريء فأعْتـذِر، ولا عزيز فأنْتَصر، وإلا تُدْركني رحمتك أكن من الهالكين }.

وظل في ضراعاته حتى صعدت الى الله روحه وكانت آخر كلماته: لا إله إلا الله.

وتحت ثَرَى مصر ثَوَى رُفاتُه.

  
عمرو بن الجموح رضي الله عنه

عمرو بن الجموح رضي الله عنه وأيُّ داء أدْوَى من البخل، بل سيدكم الجعد الأبيض " " عمرو بن الجموح.

 حديث شريف عمرو بن الجموح هو صهر عبد الله بن عمرو بن حرام إذ كان زوج لأخته هند بنت عمرو وكان ابن جمـوح واحدا من زعماء المدينة وسيد من سادات بني سلمـة، سبقه ابنـه معاذ ابن عمرو للإسلام فكان أحد السبعين في بيعة العقبة الثانية وكان له الفضل بإسلام أبيه.

إسلامه كان عمرو بن الجموح قد اصطنع صنما أقامه في داره وأسماه (منافا)، فاتفق ولده معاذ بن عمرو وصديقه معاذ بن جبل على أن يجعلا من هذا الصنم سُخرية ولعبا، فكانا يدلُجان عليه ليلا فيحملانه ويطرحانه في حفرة يطرح الناس فيها فضلاتهم، ويصبح عمرو فلا يجد (منافا) في مكانه فيبحث عنه حتى يجده طريح تلك الحفرة، فيثور ويقول: { ويلكم من عدا على آلهتنا هذه الليلة ؟}.

ثم يغسله ويطهره ويطيبه، فإذا جاء الليل من جديد صنع الصديقان بالصنم مثل ما صنعا من قبل، حتى إذا سئم عمرو جاء بسيفه ووضعه في عنق (مناف) وقال له: { إن كان فيك خير فدافع عن نفسك }.

فلما أصبح لم يجده مكانه بل وجده بالحفرة نفسها، ولم يكن وحيدا بل كان مشدودا مع كلب ميت في حبل وثيق، وإذا هو في غضبه وأسفه، اقترب منه بعض أشراف المدينة الذين سبقوا إلى الإسلام، وراحوا وهم يشيرون الى الصنم يخاطبون عقل (عمرو بن الجموح)، محدِّثينه عن الإله الحق الذي ليس كمثله شيء، وعن محمد الصادق الأمين وعن الإسلام الذي جاء بالنور، وفي لحظات ذهب عمرو فطهر ثوبه وبدنه، وتطيب وتألق وذهب ليبايع خاتم المرسلين.

 جوده أسلم عمرو بن الجموح قلبه وحياته لله رب العالمين، وعلى الرغم من أنه مفطور على الجود والكرم، فإن الإسلام زاد من جوده وعطائه في خدمة الدين والأصحاب، فقد سأل الرسول -صلى الله عليه وسلم- جماعة من بني سلمة قبيلة عمرو: { من سيِّدكم يا بني سلمة ؟}.

قالوا: { الجد بن قيس، على بخـل فيـه }.

فقال عليه السـلام: { وأيُّ داء أدْوَى من البخـل، بل سيدكم الجعـد الأبيـض عمرو بن الجمـوح }.

فكانت هذه الشهـادة تكريما لابن الجموح.

 جهاده مثلما كان عمرو -رضي الله عنه- يجود بماله أراد أن يجود بروحه في سبيل الله ولكن كيف ذلك وفي ساقه عرجا شديدا يجعله غير صالح للاشتراك في قتال، وله أربعة أولاد مسلمون، وكلهم كالأسود كانوا يخرجون مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الغزو، وحاول عمرو بن الجموح الخروج يوم بدر فتوسّل أبناؤه للرسول الكريم كي يقنعه بعدم الخروج، وبالفعل أخبره الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأنه معفي من الجهاد لعجزه الماثل بعرجه، وعلى الرغم من إلحاحه ورجائه، أمره الرسول بالبقاء في المدينة.

 الشهادة وفي غزوة أحُد ذهب عمرو الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يتوسل إليه أن يأذن له وقال: { يارسول الله إن بنيّ يريدون أن يحبسوني عن الخروج معك الى الجهاد، ووالله إني لأرجو أن أخْطِرَ بعرجتي هذه في الجنة }.

وأمام إصراره الكبير أذن له الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالخروج فأخذ سلاحه ودعا ربه: { اللهم ارزقني الشهادة ولا تردّني الى أهلي }.

والتقى الجمعان وانطلق عمرو يضرب بسيفه جيش الظلام والشرك، وجاء ما كان ينتظر، ضربة سيف كـُتِبَت له بها الشهادة، وعندما دفن المسلمون شهداءهم أمرهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- قائلا: { انظروا فاجعلوا عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر واحد، فإنهما كانا في الدنيا متحابين متصافيين }.

 السيل وبعد مرور ست وأربعين سنة على دفنهما، نزل سيل شديد غطّى أرض القبور، بسبب عين ماء أجراها هناك معاوية، فسارع المسلمون الى نقل رُفات الشهداء، فإذا هم: { ليّنة أجسادهم، تتثنى أطرافهم }.

وكان جابر بن عبد الله لا يزال حيا، فذهب مع أهله لينقل رُفات أبيه عبد الله بن عمرو بن حرام ورُفات زوج عمته عمرو بن الجموح، فوجدهما في قبرهما كأنهما نائمان، لم تأكل الأرض منهما شيئا، أتَعْجَبون ؟!.

 كلا، لا تَعْجَبوا.

  
عِمْران بن حصين رضي الله عنه

 

عِمْران بن حصين رضي الله عنه ما قدم البصرة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحد يَفضل عمران بن حصين الحسن البصري، ابن سيرين.

أسلم عِمْران بن حصين في عام خَيْبر، ومنذ وضع يمينه بيمين الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصبحت يده اليمين موضع تكريم كبير، فآلى على نفسه ألا يستخدمها إلا في كل عمل طيب وكريم.

إيمانه إيمان عمران بن حصين صورة من صور الصدق والزهد والورع والتفاني وحب الله وطاعته، ومع هذا فهو يبكي و يقول: { يا ليتني كنت رمادا، تذْروه الرياح }.

ذلك أن هؤلاء الرجال كانوا يخافون الله لإدراكهم لعظمته وجلاله، ولإدراكهم لحقيقة عجزهم عن شكره وعبادته، ولقد سأل الصحابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- يوما فقالوا: { يا رسول الله، ما لنا إذا كنا عندك رقّت قلوبنا، وزهدنا دنيانا، وكأننا نرى الآخرة رأي العين، حتى إذا خرجنا من عندك، ولقينا أهلنا وأولادنا ودنيانا أنكرنا أنفسنا ؟}.

فأجابهم عليه السلام: { والذي نفسي بيده، لو تدومون على حالكم عندي، لصافحتكم الملائكة عِياناً، ولكن ساعة وساعة }.

وسمع عمران هذا الحديث وأبى أن يعيش حياته ساعة وساعة وإنما ساعة واحدة موصولة النجوى والتبتُّل لله رب العالمين.

 البصرة في خلافة عمر بن الخطاب أرسله الخليفة الى البصرة ليُفَقّه أهلها ويعلمهم، وفي البصرة حطّ الرحال، وأقبل عليه أهلها مُذ عرفوه يتبركون به ويستضيئـون بتقواه، قال الحسن البصـري وابن سيرين: { ما قدم البصـرة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحد يَفضـل عمران بن حصين }.

فقد كان عمران يرفض أن يشغله عن العبادة شاغل، فاستغرق في العبادة حتى صار كأنه لا ينتمي الى عالم الدنيا وإنما ملك يحيا مع الملائكة يحادثهم ويحادثونه، ويصافحهم ويصافحونه.

 الفتنة لما وقع النزاع الكبير بين علي بن أبي طالب ومعاوية، وقف عمران بن حصين موقف الحياد، ورفع صوته بين الناس داعيا إياهم أن يكفوا عن الإشتراك في تلك الحروب ويقول: { لأن أرْعى أعنزا حَضنيّات في رأس جبل حتى يدركني الموت، أحب إليَّ من أن أرمي في أحدِ الفريقين بسهم، أخطأ أم أصاب }.

كما كان يوصي من يلقاه من المسلمين قائلا: { الْزم مسجدك، فإن دُخِلَ عليك فالزم بيتك، فإن دَخَل عليك بيتك من يريد نفسك ومالك فقاتِلْه }.

 مرضه ووفاته حقق إيمان عمران بن حصين أعظم نجاح حين أصابه مرض موجع لبث معه ثلاثين عاما، ما ضَجِر منه ولا قال أُفّ، بل كان مثابرا على عبادته، وإذا هوّن عليه عواده أمر علته بكلمات مشجعة ابتسم لهم وقال: { إن أحب الأشياء الى نفسي، أحبها الى الله }.

وكانت وصيته لأهله وإخوانه حين أدركه الموت: { إذا رجعتم من دفني، فانحروا وأطعموا }.

أجل فموت مؤمن مثل عمران بن الحصين هو حفل زفاف عظيم، تزفّ فيه روح عالية راضية الى جنة عرضها السموات والأرض.

  
عمر بن الخطاب رضي الله عنه

عمر بن الخطاب أحد العشرة المبشرين بالجنة (يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط الا سلك فجا غير فجك).

 حديث شريف الفاروق أبو حفص، عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزَّى القرشي العدوي، ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة (40 عام قبل الهجرة)، عرف في شبابه بالشـدة والقـوة، وكانت له مكانة رفيعـة في قومه اذ كانت له السفارة في الجاهلية فتبعثـه قريش رسولا اذا ما وقعت الحرب بينهم أو بينهم و بين غيرهم.

وأصبح الصحابي العظيم الشجاع الحازم الحكيم العادل صاحب الفتوحات وأول من لقب بأمير المؤمنين.

إسلامه:

أسلم في السنة السادسة من البعثة النبوية المشرفة، فقد كان الخباب بن الأرت يعلم القرآن لفاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد عندما فاجأهم عمر بن الخطـاب متقلـدا سيفه الذي خـرج به ليصفـي حسابه مع الإسـلام ورسوله، لكنه لم يكد يتلو القرآن المسطور في الصحيفة حتى صاح صيحته المباركة: { دلوني على محمد }.

وسمع خباب كلمات عمر، فخرج من مخبئه وصاح: { يا عمـر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصـك بدعـوة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فإني سمعته بالأمس يقول: { اللهم أيد الإسلام بأحب الرجلين إليك، أبي الحكم بن هشام، وعمر بن الخطاب }.

فسأله عمر من فوره: { وأين أجد الرسول الآن يا خباب ؟}.

وأجاب خباب: { عند الصفـا في دار الأرقـم بن أبي الأرقـم }.

 ومضى عمر الى مصيره العظيم.

ففي دار الأرقم خرج إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال: { أما أنت منتهيا يا عمر حتى يُنزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة ؟ اللهم هذا عمر بن الخطاب، اللهم أعزّ الدين بعمر بن الخطاب }.

فقال عمر: { أشهد أنّك رسول الله }.

 وباسلامه ظهر الاسلام في مكة اذ قال للرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون في دار الأرقم: { والذي بعثك بالحق لتخرجن ولنخرجن معك }.

وخرج المسلمون ومعهم عمر ودخلوا المسجد الحرام وصلوا حول الكعبة دون أن تجـرؤ قريش على اعتراضهم أو منعهم، لذلك سماه الرسول -صلى الله عليه وسلم- { الفاروق } لأن الله فرق بين الحق والباطل لسان الحق هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن علماء الصحابة وزهادهم، وضع الله الحق على لسانه اذ كان القرآن ينزل موافقا لرأيه، يقول علي بن أبي طالب: { إنّا كنا لنرى إن في القرآن كلاما من كلامه ورأياً من رأيه } كما قال عبد الله بن عمر: { مانزل بالناس أمر فقالوا فيه وقال عمر، إلا نزل القرآن بوفاق قول عمر }.

 ‏عن ‏أبي هريرة ‏-‏رضي الله عنه- ‏‏قال: ‏ ‏قال رسـول اللـه ‏-‏صلى اللـه عليه وسلم-‏ ‏: { لقد كان فيما قبلكم من الأمم ‏‏محدثون،‏ ‏فإن يك في أمتي أحد فإنه ‏‏عمر ‏}.

 و‏زاد ‏‏زكرياء بن أبي زائدة ‏ ‏عن ‏ ‏سعد ‏ ‏عن ‏ ‏أبي سلمة ‏ ‏عن ‏أبي هريرة ‏‏قال ‏: ‏قال النبي ‏ ‏-صلى الله عليه وسلم-: { ‏ لقد كان فيمن كان قبلكم من ‏بني إسرائيل‏ ‏رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي منهم أحد ‏‏فعمر }.

‏‏قال ‏‏ابن عباس ‏-‏رضي الله عنهما-: { ‏‏من نبي ولا محدث ‏}.

 قوة الحق كان قويا في الحق لا يخشى فيه لومة لائم، فقد ‏استأذن ‏‏عمر بن الخطاب ‏‏على رسول الله ‏-‏صلى الله عليه وسلم- ‏‏وعنده ‏‏نسوة ‏من ‏قريش،‏ ‏يكلمنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن على صوته، فلما استأذن ‏‏عمر بن الخطاب ‏قمن فبادرن الحجاب، فأذن له رسول الله -‏صلى الله عليه وسلم-،‏ ‏فدخل ‏‏عمر ‏‏ورسول الله ‏-‏صلى الله عليه وسلم- ‏‏يضحك، فقال ‏‏عمر: {‏ ‏أضحك الله سنك يا رسول الله }.

فقال النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ ‏: { عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب }.

فقال ‏‏عمر: {‏ ‏فأنت أحق أن يهبن يا رسول الله }.

ثم قال عمر ‏: { ‏يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله ‏-‏صلى الله عليه وسلم-}.

‏فقلن: { نعم، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله -‏صلى الله عليه وسلم-}.

‏فقال رسول الله ‏-‏صلى الله عليه وسلم- ‏: { إيها يا ‏ابن الخطاب ‏، ‏والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا ‏فجا ‏قط إلا سلك ‏‏فجا ‏غير‏فجك }.

 ومن شجاعته وهيبته أنه أعلن على مسامع قريش أنه مهاجر بينما كان المسلمون يخرجون سرا، وقال متحديا لهم: { من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي }.

فلم يجرؤ أحد على الوقوف في وجهه.

 عمر في الأحاديث النبوية رُويَ عن الرسـول -صلى الله عليه وسلم- العديد من الأحاديث التي تبين فضل عمـر بن الخطاب نذكر منها.

{ إن الله سبحانـه جعل الحق على لسان عمر وقلبه }.

{ الحق بعدي مع عمـر حيث كان }.

{ لو كان بعدي نبيّ لكان عمـر بن الخطاب }.

{ إن الشيطان لم يلق عمـر منذ أسلم إلا خرَّ لوجهه }.

{ ما في السماء ملك إلا وهو يوقّر عمر، ولا في الأرض شيطان إلا وهو يفرق من عمر }.

 قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: { رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأةِ أبي طلحة وسمعت خشفاً أمامي، فقلت: ما هذا يا جبريل ؟ قال: هذا بلال، ورأيت قصرا أبيض بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا القصر ؟ قالوا: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخله فأنظر إليه، فذكرت غيْرتك }.

فقال عمر: { بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغار !}.

 وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: { بيْنا أنا نائم إذ أتيت بقدح لبنٍ، فشربت منه حتى إنّي لأرى الريّ يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضْلي عمر بن الخطاب }.

قالوا: { فما أوّلته يا رسول الله ؟}.

 قال: { العلم }.

 قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: { بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قمصٌ، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ أسفل من ذلك، وعُرِضَ عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه }.

قالوا: { فما أوَّلته يا رسول الله ؟}.

قال: { الدين }.

 خلافة عمر رغب أبو بكر -رضي الله عنه- في شخصية قوية قادرة على تحمل المسئولية من بعده، واتجه رأيه نحو عمر بن الخطاب فاستشار في ذلك عدد من الصحابة مهاجرين وأنصارا فأثنوا عليه خيرا ومما قاله عثمان بن عفان: { اللهم علمي به أن سريرته أفضل من علانيته، وأنه ليس فينا مثله }.

 وبناء على تلك المشورة وحرصا على وحدة المسلمين ورعاية مصلحتهم.

أوصى أبو بكر الصديق بخلافة عمر من بعده، وأوضح سبب اختياره قائلا: {اللهم اني لم أرد بذلك الا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم، واجتهدت لهم رأيا فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم }.

ثم أخذ البيعة العامة له بالمسجد اذ خاطب المسلمين قائلا: {أترضون بمن أستخلف عليكم ؟ فوالله ما آليت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قربى، واني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا }.

فرد المسلمون: {سمعنا وأطعنا}.

وبايعوه سنة (13 هـ).

 انجازاته استمرت خلافته عشر سنين تم فيها كثير من الانجازات المهمة.

لهذا وصفه ابن مسعود -رضي الله عنه- فقال: { كان اسلام عمر فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت إمامته رحمه، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي الى البيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا}.

 فهو أول من جمع الناس لقيام رمضان في شهر رمضان سنة (14 هـ)، وأول من كتب التاريخ من الهجرة في شهر ربيع الأول سنة (16 هـ)، وأول من عسّ في عمله، يتفقد رعيته في الليل وهو واضع الخراج، كما أنه مصّـر الأمصار، واستقضـى القضـاة، ودون الدواويـن، وفرض الأعطيـة، وحج بالناس عشر حِجَـجٍ متواليـة، وحج بأمهات المؤمنين في آخر حجة حجها.

 وهدم مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وزاد فيه، وأدخل دار العباس بن عبد المطلب فيما زاد، ووسّعه وبناه لمّا كثر الناس بالمدينة، وهو أول من ألقى الحصى في المسجد النبوي، فقد كان الناس إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نفضوا أيديهم، فأمر عمر بالحصى فجيء به من العقيق، فبُسِط في مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

ؤ وعمر -رضي الله عنه- هو أول من أخرج اليهود وأجلاهم من جزيرة العرب الى الشام، وأخرج أهل نجران وأنزلهم ناحية الكوفة.

 الفتوحات الإسلامية لقد فتح الله عليه في خلافته دمشق ثم القادسية حتى انتهى الفتح الى حمص، وجلولاء والرقة والرّهاء وحرّان ورأس العين والخابور ونصيبين وعسقلان وطرابلس وما يليها من الساحل وبيت المقدس وبَيْسان واليرموك والجابية والأهواز والبربر والبُرلُسّ.

وقد ذلّ لوطأته ملوك الفرس والروم وعُتاة العرب حتى قال بعضهم: { كانت درَّة عمر أهيب من سيف الحجاج }.

 هَيْـبَتِـه و تواضعه وبلغ -رضي الله عنه- من هيبته أن الناس تركوا الجلوس في الأفنية، وكان الصبيان إذا رأوه وهم يلعبون فرّوا، مع أنه لم يكن جبّارا ولا متكبّرا، بل كان حاله بعد الولاية كما كان قبلها بل زاد تواضعه، وكان يسير منفردا من غير حرس ولا حُجّاب، ولم يغرّه الأمر ولم تبطره النعمة.

 استشهاده كان عمر -رضي الله عنه- يتمنى الشهادة في سبيل الله ويدعو ربه لينال شرفها: { اللهم أرزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك}.

وفي ذات يوم وبينما كان يؤدي صلاة الفجر بالمسجد طعنه أبو لؤلؤة المجوسي { غلاما للمغيرة بن شعبة } عدة طعنات في ظهره أدت الى استشهاده ليلة الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة.

 ولما علم قبل وفاته أن الذي طعنه ذلك المجوسي حمد الله تعالى أن لم يقتله رجل سجد لله تعالى سجدة.

ودفن الى جوار الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في الحجرة النبوية الشريفة الموجودة الآن في المسجد النبوي في المدينة المنورة.

  
عمار بن ياسر رضي الله عنه

عمار بن ياسر رضي الله عنه { صبرا آل ياسـر فإن موعدكـم الجنـة } حديـث شريـف.

خرج والد عمار بن ياسر من بلده اليمن يريد أخا له، يبحث عنه، وفي مكة طاب له المقام فحالف أبا حذيفة بن المغيرة، وزوجه أبو حذيفة إحدى إمائه (سمية بنت خياط) ورزقا بابنهما (عمار)، وكان إسلامهم مبكرا.

العذاب وشأن الأبرار:

المُبَكّرين أخذوا نصيبهم الأوفى من عذاب قريش وأهوالها، ووُكل أمر تعذيبهم إلى بني مخزوم، يخرجون بهم جميعا ياسر و سمية وعمار كل يوم الى رمضاء مكة الملتهبة ويصبون عليهم من جحيم العذاب، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يخرج كل يوم الى أسرة ياسر مُحييا صمودها وقلبه الكبير يذوب رحمة وحنانا لمشهدهم، وذات يوم ناداه عمار: { يا رسول الله، لقد بلغ منا العذاب كُلَّ مبلغ }.

فناداه الرسول -صلى الله عليه وسلم-: { صبرا أبا اليَقْظان، صبرا آل ياسر فإن موعـدكم الجنة }.

 ولقد وصـف أصحاب عمار العذاب الذي نزل به.

فيقول عمـرو بن ميمون: { أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار، فكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يمر به، ويُمر يده على رأسه ويقول: يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت بردا وسلاما على إبراهيم }.

و يقول عمرو بن الحكم: { كان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول }.

وقد فقد وعيه يوما فقالوا له: { اذكر آلهتنا بخير }.

وأخذوا يقولون له وهو يردد وراءهم من غيـر شعور.

وبعد أن أفاق من غيبوبتـه وتذكر ما كان طار صوابـه، فألفاه الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- يبكي فجعل يمسح دموعه بيده ويقول له: { أخذك الكفار فغطوك في الماء فقلت: كذا وكذا ؟}.

أجاب عمار وهو ينتحب: { نعم يا رسول الله }.

فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو يبتسم: { إن عادوا فقل لهم مثل قولك هذا }.

ثم تلا عليه الآية الكريمة قال تعالى: { إلا من أُكرِه وقلبه مطمئنٌ بالإيمان }.

 واسترد عمار سكينة نفسه، وصمد أمام المشركين.

 حب الرسول لعمّار استقر المسلمون بعد الهجرة في المدينة، وأخذ عمار مكانه عاليا بين المسلمين، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يحبه حبا عظيما، يقول عنه -صلى الله عليه وسلم- { إن عمّارا مُلِىء إيمانا إلى مُشاشه -تحت عظامه- }.

وحين كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يبنون المسجد بالمدينة إثر نزولهم، إرتجز علي بن أبي طالب أنشودة راح يرددها ويرددها المسلمون معه،وأخذ عمار يرددها ويرفع صوته،وظن بعض أصحابه أن عمارا يعرض به، فغاضبه ببعض القول فغضب الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال: { ما لهم ولعمّار ؟ يدعوهم الى الجنة ويدعونه الى النار، إن عمّارا جِلْدَة ما بين عيني وأنفي }.

وحين وقع خلاف عابر بين خالد بن الوليد وعمّار قال الرسول: { من عادى عمّارا عاداه الله، ومن أبغض عمّارا أبغضه الله }.

فسارع خالد إلى عمار معتذرا وطامعا بالصفح.

 كما قال -عليه أفضل الصلاة والسلام-: { اشتاقت الجنّةِ إلى ثلاثة: إلى علي، وعمّار وبلال }.

 إيمانه لقد بلغ عمار في درجات الهدى واليقين ما جعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يُزَكي إيمانه فيقول: { اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عَمّار }.

 كما أن حذيفة بن اليمان وهو يعالج سكرات الموت سأله أصحابه: { بمن تأمرنا إذا اختلف الناس }.

فأجابهم: { عليكم بابن سمية، فإنه لا يفارق الحق حتى يموت }.

 نبوءة الرسول أثناء بناء مسجد الرسـول -صلى الله عليه وسلم- أخذ الحنان الرسـول الكريـم الى عمار، فاقترب منه ونفض بيده الغُبار الذي كسـى رأسه، وتأمل الرسول -صلى الله عليه وسلم- وجه عمار الوديع المؤمن ثم قال على ملأ من أصحابه: { وَيْحَ ابن سمية، تقتله الفئة الباغية }.

وتتكرر النبوءة حين يسقط الجدار على رأس عمار فيظن بعض إخوانه أنه مات، فيذهب الى الرسول ينعاه، فيقول الرسول -صلى الله عليه سلم- بطُمأنينة وثقة: { ما مات عمار، تقتل عماراَ الفئة الباغية }.

 يوم اليمامة بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- واصل عمار تألقه في مواجهة جيوش الردة والفرس والروم، وكان دوما في الصفوف الأولى، وفي يوم اليمامة انطلق البطل في استبسـال عاصف، وإذا يرى فتـور المسلمين يرسل بين صفوفـهم صياحه المزلزل فيندفعون كالسهام، يقول عبـد الله بن عمـر: { رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخـرة، وقد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين أمِـن الجنة تفـرّون ؟ أنا عمار بن ياسر هلُمّـوا إلي، فنظرت إليه فإذا أذنه مقطوعة تتأرجح، وهو يقاتل أشد القتال }.

 ولاية الكوفة لفضائله -رضي الله عنه- سارع عمر بن الخطاب واختاره والياً للكوفة وجعل ابن مسعود معه على بيت المال، وكتب الى أهلها مبشرا: { إني أبعث إليكم عمَّار بن ياسر أميرا، وابن مسعود مُعَلما ووزيرا، وإنهما لمن النجباء من أصحاب محمد ومن أهل بدر }.

يقول ابن أبي الهُذَيْل وهو من معاصري عمار في الكوفـة: { رأيت عمار بن ياسر وهو أميـر الكوفة يشتري من قِثائها، ثم يربطها بحبـل ويحملها فوق ظهـره ويمضي بها الى داره }.

كما ناداه أحد العامة يوما: { يا أجدع الأذن }.

فيجيبه الأمير: { خَيْر أذنيّ سببت، لقد أصيبت في سبيل الله }.

 عمار والفتنة وجاءت الفتنة ووقع الخلاف بين علي -كرم الله وجهه- ومعاوية، فوقف عمار الى جانب علي بن أبي طالب مُذعنا للحق وحافظا للعهد، وفي يوم صِفِّين عام 37 هجري خرج عمار مع علي بن أبي طالب وكان عمره ثلاثا وتسعين عاما، وقال للناس: { أيها الناس سيروا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يثأرن لعثمان، ووالله ما قصدهم الأخذ بثأره، ولكنهم ذاقوا الدنيا، واستمرءوها وعلموا أن الحق يحول بينهم وبين ما يتمرّغون فيه من شهواتهم ودنياهم، وما كان لهؤلاء سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة المسلمين لهم ولا الولاية عليهم، ولا عرفت قلوبهم من خشية الله ما يحملهم على اتباع الحق، وإنهم ليخدعون الناس بزعمهم أنهم يثأرون لدم عثمان، وما يريدون إلا أن يكونوا جبابرة وملوكا }.

ثم أخذ الرايـة بيده ورفعهـا عاليا وصـاح في الناس: { والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهأنذا أقاتل بها اليوم، والذي نفسي بيده لو هزمونا حتى يبلغوا سعفات هَجَر، لعلمت أننا على الحق وأنهم على الباطل }.

 تحقق نبوءة الرسول كان عمار بن ياسر وهو يجول في المعركة يؤمن أنه واحد من شهدائها، وكانت نبوءة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمام عينيه: { تقتل عماراَ الفئة الباغية }.

من أجل هذا كان يغرد قائلا: { اليوم ألقى الأحبة محمدا وصحبه }.

ولقد حاول رجال معاوية أن يتجنبوا عمَّارا ما استطاعوا، حتى لا تقتله سيوفهم فيتبين للناس أنهم الفئة الباغية، ولكن شجاعة عمار ابن الثالث والتسعين وقتاله كجيش لوحده أفقدهم صوابهم حتى إذا تمكنوا منه أصابوه، وانتشر الخبر، وتذكر الناس نبوءة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فزادت فريق علي بن أبي طالب إيمانا بأنهم على الحق، وحدثت بلبلة في صفوف معاوية، وتهيأ الكثير منهم للتمرد والإنضمام الى علي، فخرج معاوية خاطبا فيهم: { إنما قتله الذين خرجوا به من داره، وجاءوا به الى القتال }.

وانخدع الناس واستأنفت المعركة.

 الشهيد حمل الإمام علي عماراً فوق صدره الى حيث صلى عليه والمسلمـون معه، ثم دفنه في ثيابه، ووقف المسلمون على قبـره يعجبون، فقبل قليـل كان يغـرد: { اليوم ألقى الأحبة محمدا وصحبه }.

وتذكروا قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: { اشتاقت الجنة لعمّار }.

  
علي بن أبي طالب رضي الله عنه

 علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (من أحب عليا فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله) حديث شريف.

هو ابـن عم النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولد قبل البعثة النبوية بعشـر سنين وأقام في بيت النبوة فكان أول من أجاب الى الاسلام من الصبيان، هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وزوجته فاطمة الزهراء ابنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ووالد الحسن والحسين سيدي شباب الجنة.

 الرسول يضمه إليه كان أول ذكر من الناس آمن برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصدق بما جاءه من الله تعالى: علي بن أبي طالب رضوان الله وسلامه عليه، وهو يومئذ ابن عشر سنين، فقد أصابت قريشاً أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال الرسول الكريم للعباس عمه: يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمـة، فانطلق بنا إليه فلنخفـف عنه من عياله، آخذ من بنيـه رجلا وتأخذ أنت رجلا فنكفهما عنه }.

فقال العباس: { نعم }.

فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له: { إنا نريد أن نخفف من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه }.

فقال لهما أبو طالب: { إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما }.

فأخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- علياً فضمه إليه، وأخذ العباس جعفراً فضمه إليه، فلم يزل علي مع رسول الله حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبياً، فاتبعه علي -رضي الله عنه- وآمن به وصدقه، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا حضرت الصلاة خرج الى شعاب مكة، وخرج علي معه مستخفياً من أبيه وسائر قومه، فيصليان الصلوات معا، فإذا أمسيا رجعا.

 منزلته من الرسول لمّا آخى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين أصحابه قال لعلي: { أنت أخي }.

 وكان يكتب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وشهد الغزوات كلها ما عدا غزوة تبوك حيث استخلفه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أهله وقال له: { أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى }.

 وكان مثالا في الشجاعة و الفروسية ما بارز أحد الا صرعه، وكان زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: { من أحب عليا فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله }.

 دعاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وزوجته فاطمة وابنيه { الحسن والحسين } وجلَّلهم بكساء وقال: { اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهِّرْهُم تطهيراً }.

وذلك عندما نزلت الآية الكريمة.

 قال تعالى: { إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عنكم الرِّجسَ أهلَ البيت }.

 كما قال -عليه أفضل الصلاة والسلام-: { اشتاقت الجنّةِ إلى ثلاثة: إلى علي، وعمّار وبلال }.

 ليلة الهجرة في ليلة الهجرة، اجتمع رأي المشركين في دار الندوة على أن يقتلوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- في فراشه، فأتى جبريل -عليه السلام- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: { لا تبيت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه }.

فلما كانت عتمة من الليل اجتمع المشركون على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله مكانهم قال لعلي: { نم على فراشي، وتَسَجَّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه، فإنه لن يَخْلُصَ إليك شيء تكرهه منهم }.

ونام علي -رضي الله عنه- تلك الليلة بفراش رسول الله، واستطاع الرسول -صلى الله عليه سلم- من الخروج من الدار ومن مكة، وفي الصباح تفاجأ المشركون بعلي في فراش الرسول الكريم.

وأقام علي -كرّم الله وجهه- بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الودائع التي كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله في قباء.

 أبو تراب دخل ‏علي ‏‏على ‏فاطمة -رضي الله عنهما-‏ ‏، ثم خرج فاضطجع في المسجد، فقال النبي ‏-‏صلى الله عليه وسلم- ‏: { ‏أين ابن عمك }.

قالت: { في المسجد }.

فخرج إليه فوجد رداءه قد سقط عن ظهره، وخلص التراب إلى ظهره، فجعل يمسح التراب عن ظهره فيقول: { اجلس يا ‏‏أبا تراب }.

‏مرتين.

 يوم خيبر في غزوة خيبـر قال الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم-: { لأُعْطينّ الرايةَ غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويُحبه الله ورسوله، يفتح الله عليه، أو على يديه }.

فكان رضي الله عنه هو المُعْطَى وفُتِحَت على يديه.

 ‏ خلافته لما استشهد عثمان -رضي الله عنه- سنة (35 هـ) بايعه الصحابة والمهاجرين و الأنصار وأصبح رابع الخلفاء الراشدين، يعمل جاهدا على توحيد كلمة المسلمين واطفاء نار الفتنة، وعزل الولاة الذين كانوا مصدر الشكوى.

 ذهبت السيدة عائشة زوجة الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى مكة المكرمة لتأدية العمرة في شهر محرم عام 36 هجري، ولما فرغت من ذلك عادت الى المدينة، وفي الطريق علمت باستشهاد عثمان واختيار علي بن أبي طالب خليفة للمسلمين، فعادت ثانية الى مكة حيث لحق بها طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام -رضي الله عنهما- وطالب الثلاثة الخليفة بتوقيع القصاص على الذين شاركوا في الخروج على الخليفة عثمان -رضي الله عنه-، وكان من رأي الخليفة الجديد عدم التسرع في ذلك، والانتظار حتى تهدأ نفوس المسلمين،وتستقر الأوضاع في الدولة الاسلامية، غير أنهم لم يوافقوا على ذلك واستقر رأيهم على التوجه الى البصرة، فساروا اليها مع أتباعهم.

 معركة الجمل خرج الخليفة من المدينة المنورة على رأس قوة من المسلمين على أمل أن يدرك السيدة عائشة -رضي الله عنها-، ويعيدها ومن معها الى مكة المكرمة، ولكنه لم يلحق بهم، فعسكر بقواته في (ذي قار) قرب البصرة، وجرت محاولات للتفاهم بين الطرفين ولكن الأمر لم يتم، ونشب القتال بينهم وبذلك بدأت موقعة الجمل في شهر جمادي الآخرة عام 36 هجري، وسميت بذلك نسبة الى الجمل الذي كانت تركبه السيدة عائشة -رضي الله عنها- خلال الموقعة، التي انتهت بانتصار قوات الخليفة، وقد أحسن علي -رضي الله عنه- استقبال السيدة عائشة وأعادها الى المدينة المنورة معززة مكرمة، بعد أن جهزها بكل ما تحتاج اليه، ثم توجه بعد ذلك الى الكوفة في العراق، واستقر بها، وبذلك أصبحت عاصمة الدولة الاسلامية 0 مواجهة معاوية قرر علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- (بعد توليه الخلافة) عزل معاوية بن أبي سفيان عن ولاية الشام، غير أن معاوية رفض ذلك، كما امتنع عن مبايعته بالخلافة، وطالب بتسليم قتلة عثمان -رضي الله عنه- ليقوم معاوية باقامة الحد عليهم، فأرسل الخليفة الى أهل الشام يدعوهم الى مبايعته، وحقن دماء المسلمين، ولكنهم رفضوا.

 فقرر المسير بقواته اليهم وحملهم على الطاعة، وعدم الخروج على جماعة المسلمين، والتقت قوات الطرفين عند (صفين) بالقرب من الضفة الغربية لنهر الفرات، وبدأ بينهما القتال يوم الأربعاء (1 صفر عام 37 هجري).

 وحينما رأى معاوية أن تطور القتال يسير لصالح علي وجنده، أمر جيشه فرفعوا المصاحف على ألسنة الرماح، وقد أدرك الخليفة خدعتهم وحذر جنوده منها وأمرهم بالاستمرار في القتال، لكن فريقا من رجاله، اضطروه للموافقة على وقف القتال وقبول التحكيم، بينما رفضه فريق آخر.

 وفي رمضان عام 37 هجري اجتمع عمر بن العاص ممثلا عن معاوية وأهل الشام، وأبو موسى الأشعري عن علي وأهل العراق، واتفقا على أن يتدارسا الأمر ويعودا للاجتماع في شهر رمضان من نفس العام، وعادت قوات الطرفين الى دمشق والكوفة، فلما حان الموعد المتفق عليه اجتمعا ثانية، وكانت نتيجة التحكيم لصالح معاوية.

الخوارج:

أعلن فريق من جند علي رفضهم للتحكيم بعد أن اجبروا عليا -رضي الله عنه- على قبوله، وخرجوا على طاعته، فعرفوا لذلك باسم الخوارج، وكان عددهم آنذاك حوالي اثني عشر ألفا، حاربهم الخليفة وهزمهم في معركة (النهروان) عام 38 هجري، وقضى على معظمهم، ولكن تمكن بعضهم من النجاة والهرب.

 وأصبحوا منذ ذلك الحين مصدر كثير من القلاقل في الدولة الاسلامية.

 استشهاده لم يسلم الخليفة من شر هؤلاء الخوارج اذ اتفقوا فيما بينهم على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص في ليلة واحدة، ظنا منهم أن ذلك يحسم الخلاف ويوحد كلمة المسلمين على خليفة جديد ترتضيه كل الأمة، وحددوا لذلك ثلاثة من بينهم لتنفيذ ما اتفقوا عليه، ونجح عبد الرحمن بن ملجم فيما كلف به، اذ تمكن من طعن علي -رضي الله عنه- بالسيف وهو خارج لصلاة الفجر من يوم الجمعة الثامن عشر من رمضان عام أربعين هجرية بينما أخفق الآخران، وعندما هجم المسلمون على ابن ملجم ليقتلوه نهاهم علي قائلا: { ان أعش فأنا أولى بدمه قصاصا أو عفوا، وان مت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين، ولا تقتلوا بي سواه، ان الله لا يحب المعتدين }.

وحينما طلبوا منه أن يستخلف عليهم وهو في لحظاته الأخيرة قال لهم: { لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم بأموركم أبصر }.

 واختلف في مكان قبره.

وباستشهاده -رضي الله عنه- انتهى عهد الخلفاء الراشدين.

  
عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه

عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه (مرحباً بالراكب المهاجر) حديث شريف.

عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة القرشيّ المخزومي وكنيته أبو عثمان، أسلم بعد الفتح، فقد كان هارباً الى اليمن وعند عودته قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: { مرحباً بالراكب المهاجر }.

وقد حسُنَ إسلامه، وشارك في حروب الردة.

 الهروب تحولت إلي عكرمة رئاسة بني مخزوم بعد مقتل أبيه { أبو جهل } في غزوة بدر، وكان من رؤوس الكفر والغلاة فيه، فرزقه الله الإسلام.

 فقد عهد رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألا يقتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد في نفر سماهم، أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عكرمة بن أبي جهل، فركب عكرمة البحر، فأصابهم عاصف، فقال أصحاب السفينة لمن في السفينة: { أخلصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً هاهنا }.

فقال عكرمة: { لئن لم يُنجّني في البحر إلا الإخلاص ما يُنجّيني في البرّ غيره، اللهم إنّ لك علي عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه، أني آتي محمداً حتى أضع يدي في يده، فلأجدنّه عفواً كريماً }.

 الأمان وأسلمت زوجته { أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة } يوم الفتح، فقالت: { يا رسول الله، قد هرب عكرمة منك إلى اليمن، وخاف أن تقتله فآمنهُ }.

فقال رسـول الله -صلى الله عليه وسلم-: { هو آمن }.

فخرجت في طلبه، فأدركته باليمن، فجعلت تلمح إليه وتقول: { يا ابن عم، جئتُك من عند أوصل الناس وأبرّ الناس وخير الناس، لا تهلك نفسك }.

فوقف لها حتى أدركته فقالت: { إني قد استأمنتُ لك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- }.

قال: { أنتِ فعلتِ ؟}.

قالت: { نعم، أنا كلمتُهُ فأمّنَك }.

فرجع معها.

 الإسلام قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: { يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمناً مهاجراً، فلا تسبّوا أباه فإن سبّ الميت يؤذي الحي، ولا تبلغ الميت }.

 فلمّا جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آمناً على دمه قال له: { مرحباً بالراكب المهاجر أو المسافر }.

فوقف بين يديه ومعه زوجته متنقبة فقال: { يا محمد، إنّ هذه أخبرتني أنك أمّنتني ؟!}.

فقال رسول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم-: { صدقتْ، فأنت آمن }.

قال عكرمة: { فإلام تدعو ؟}.

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: { أدعو إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتفعل }.

حتى عدّ خصال الإسلام.

فقال عكرمة: { واللـه ما دعوت إلا إلى الحـق، وأمر حسن جميل، قد كنت واللـه فينا قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه وأنتَ أصدقنا حديثاً، وأبرّنا أمانة }.

ثم قال عكرمة: { فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله }.

 فسُرّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم قال: { يا رسول الله، علّمني خير شيءٍ أقوله }.

 قال: { تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله }.

ثم قال: { ثم ماذا ؟}.

 قال: { تقول: اللهم إني أشهدك أنّي مهاجر مجاهد }.

فقال عكرمة ذلك.

 ثم قال النبـي -صلى اللـه عليه وسلم-: { ما أنتَ سائلي شيئاً أعطيه أحداً من الناس إلا أعطيتك }.

فقال: { أمّا إني لا أسألك مالاً، إني أكثر قريش مالاً، ولكن أسألك أن تستغفر لي }.

وقال: { كل نفقة أنفقتُها لأصدّ بها عن سبيل اللـه، فوالله لئن طالت بي حياة لأضعفنّ ذلك كله }.

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: { اللهم اغفر له كلّ عداوةٍ عادانيها، وكل مسير سار فيه إلى موضع يريد بذلك المسير إطفاء نورك، واغفر له ما نال مني ومن عرضٍ في وجهي أو أنا غائب عنه }.

فقال عكرمة: { رضيتُ يا رسول الله }.

 وكان إسلام عكرمة سنة ثمان من الهجرة، فأسلم وكان محمود البلاء في الإسلام، وكان إذا اجتهد في اليمين قال: { لا والذي نجّاني يوم بدر }.

 المنام وقيل أن رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- قد رأى في منامه أنه دخل الجنة، فرأى فيها عذقاً مذللاً فأعجبه فقيل: { لمن هذا ؟}.

فقيل: { لأبي جهل }.

فشقّ ذلك عليه وقال: { ما لأبي جهل والجنة ؟ والله لا يدخلها أبداً }.

فلمّا رأى عكرمة أتاه مسلماً تأوّل ذلك العذق عكرمة بن أبي جهل.

 الأحياء والأموات وقدم عكرمة المدينة، فجعل كلّما مر بمجلس من مجالس الأنصار قالوا: { هذا ابن أبي جهل }.

فيسبّون أبا جهل، فشكا ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال الرسول الكريم: { لا تُؤذوا الأحياء بسبب الأموات }.

وكان عكرمة يضع المصحف على وجهه ويقول: { كلامُ ربي }.

 جهاده استعمله أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- على عُمان حين ارتدوا، فقاتلهم وأظفره الله بهم، ولما ندب أبو بكر النّاس لغزو الروم، وقدم الناس فعسكروا بالجُرْفِ -موضع من المدينة نحو الشام- خرج أبو بكر يطوف في معسكرهم، ويقوي الضعيف منهم، فبصر بخباءٍ عظيم، حوله المرابط، ثمانية أفراس ورماح وعـدّة ظاهرة، فانتهى إلى الخبـاء، فإذا خباءُ عكرمة فسلّم عليـه، وجزاه أبو بكر خيـراً، وعرض عليه المعونة، فقال له عكرمة: { أنا غني عنها، معي ألفا دينار، فاصرِفْ معونتك إلى غيري }.

فدعا له أبو بكر بخير.

 الشام والشهادة استشهد عكرمة بن أبي جهل في عام 13 هـ في خلافة أبو بكر الصديق يوم (مرج الصُّفَّر).

وقيل في اليرموك سنة (15 هـ) في خلافة عمر، ولم يُعقِب.

 فلمّا كان يوم اليرموك نزل فترجّل فقاتل قتالاً شديداً، ولمّا ترجل قال له خالد بن الوليد: { لا تفعل، فإنّ قتلك على المسلمين شديد }.

فقال: { خلّ عني يا خالد، فإنه قد كان لك مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سابقة، وإني وأبي كنّا مع أشد الناس على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-}.

فمشى حتى قُتِل، فوجدوا به بضعةً وسبعين ما بين ضربة وطعنة ورمية.

 وقيل أنه قال يوم اليرموك: { قاتلت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل موطن، وأفر منكم اليوم ؟!}.

ثم نادى: { مَنْ يُبايع على الموت ؟}.

فبايعه الحارث بن هشام في أربع مائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا حتى أثبتوا جميعاً جراحةً وقُتِلوا إلا من نبأ.

  
عُقبة بن نافع رضي الله عنه

عُقبة بن نافع رضي الله عنه { يا ربِّ لولا هذا البحرُ لمضيتُ في البلاد مُجاهداً في سبيلك، أنشر دينكَ المبين}.

عُقبة بن نافع عُقبة بن نافع بن عبد القيس القرشـيّ، وُلِدَ في عهد الرسول -صلى اللـه عليه وسلم-،  خاله عمرو بن العاص، وشهد معه فتح مصر واختطّ بها، ثم ولاهُ يزيد بن معاوية إمرة المغرب، وهو الذي بنى القيروان.

 الرفعة والعافية قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عقبة بن نافع: { رأيتُ كأنّي في دار عُقبة بن نافع، فأتينا برُطَبٍ أبّر -مُلَقّح- طاب، فأوّلتُها: الرفعة والعافية وإنّ دينَنَا قد طاب لنا }.

 مصر شَهِدَ عُقبة بن نافع فتح مصر (18-21 هـ)، واختطّ بها، فقد اتّخذ فيها أرضاً ووضع لها علاماً ليعلم أنها ملكه، وقد بعثه عمرو بن العاص إلى القرى التي حولها، فدخلت خيولهم أرض النوبة غزاةً، فلقي المسلمون قتالاً شديداً.

 غزوات عُقبة في عام (20 هـ) أرسل عمرو بن العاص عُقبة بن نافع على رأس جيش إسلامي، تمكّن من فتح برقة، وفزان، وزويلة، وقد اتّخذ عُقبة من برقةَ قاعدةً لنشر الإسلام في المناطق الواقعة غرب مصر.

 قال خليفة: في سنة إحدى وأربعين ولى عمرو بن العاص، وهو على مصر عقبة بن نافع افريقية، فانتهى إلى قونِية -وهي من أعظم مدن الإسلام ببلاد الروم- وقَراقِيَةَ -على طريق الإسكندرية إلى افريقية- فأطاعوه، ثم كفروا، فغزاهم من سَبْتَةَ فقتل وسبى، وفيها سنة اثنتين وأربعين غزا عقبة بن نافع إفريقية فافتتح غُدامس، وفي سنة ثلاث وأربعين غزا عقبة بن نافع فافتتح كُوراً من بلاد السودان، وافتتح وَدّان، وهي من حيدة برقة، وكلها من بلاد إفريقية.

 فتح إفريقية فلمّا ولي معاوية بن أبي سفيان وجّه عُقبة بن نافع إلى افريقية عام (50 هـ)، غازياً في عشرة آلاف من المسلمين، فافتتحها واختطّ قيروانها، وقد كان موضعه بستاناً واسعاً، لا ترام من السباع والحيات وغير ذلك من الدّواب، فدعا الله عليها، فلم يبقَ فيها شيء مما كان فيها إلا خرج هارباً بإذن الله، فقد وقف وقال: { يا أهل الوادي، إنّا حالون -إن شاء الله- فاظعنوا }.

ثلاث مرات، قيل: { فما رأينا حجراً ولا شجراً، إلا يخرج من تحته دابّة حتى هبطن بطنَ الوادي }.

ثم قال للناس: { انزلوا باسم الله }.

فأسلم خلق كبير من البربر، فقد كان عُقبة بن نافع مُجاب الدعوة.

 وهكذا أصبحت القيروان قاعدة حربية لتأمين الخطوط الدفاعية الإسلامية في المنطقة، ونقطة إنطلاق لنشر الإسلام بين السكان هناك.

 بحر الظلمات ولمّا عادَ عُقبة للولاية ثانيـةً عام (60 هـ) سار بقواتـه غرباً حتى وصل المحيـط الإطلسي { بحر الظلمات } عام (62 هـ)، فتوقّف حينئـذ وقال: { يا ربِّ لولا هذا البحرُ لمضيتُ في البلاد مُجاهداً في سبيلك، أنشر دينكَ المبينَ، رافعاً راية الإسلام فوقَ كل مكانٍ حصينٍ، استعصى على جبابرة الأقدمين }.

 الشهادة وفي أثناء عودة عُقبة بن نافع إلى القيروان، فاجأهُ (كُسَيْلةُ) بفريق من البربر وحلفائه البيزنطيين، واشتبكوا معه في معركة انتهت باستشهاده مع عدد من الجنود.

 استشهد عُقبة في إفريقيـة سنة (63 هـ)، وأوصى أبناءه ألا يقبلـوا الحديث عن رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- إلا من ثقة، وألا تشغلهم الإمارةُ عن القرآن.

  
عُديّ بن حاتم بن الطائي رضي الله عنه

عُديّ بن حاتم بن الطائي رضي الله عنه (يا عُديّ بن حاتم أسلمْ تسلمْ) حديث شريف.

عُديّ بن حاتم بن عبد الله الطائي وكنيته أبو طريف، ابن حاتم الطائي الذي يضرب بجوده المثل، كان نصرانياً، ووفد على الرسول -صلى الله عليه وسلم- في سنة سبع فأكرمه واحترمه وحسُنَ إسلامه، ومنع قومه من الردة بقوة إيمانه، وحَسُن رأيه.

 إسلامه وقعت أخت عُدي في الأسر، فمنّ عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأتت أخاها في بلاد الشام فكلمته في المجيء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجاء وأسلم.

 قال عُدي: بُعِثَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين بُعث فكرهته أشدّ ما كرهت شيئاً قط، فانطلقتُ حتى إذا كنت في أقصى الأرض ممّا يلي الروم، فكرهتُ مكاني ذلك مثلما كرهته أو أشدّ، فقلتُ: { لو أتيتُ هذا الرجل، فإن كان كاذباً لم يخفَ عليّ، وإن كان صادقاً اتبعته }.

فأقبلتُ فلمّا قدمتُ المدينة استشرفني الناس وقالوا: { عُدي بن حاتم ! عُدي بن حاتم }.

 فأتيته فقال لي: { يا عديّ بن حاتم أسلمْ تسلمْ }.

 فقلتُ: { إنّ لي ديناً !}.

 قال: { أنا أعلم بدينك منك }.

 قلتُ: { أنت أعلم بديني مني ؟!}.

 قال: { نعم }.

مرّتين أو ثلاثاً قال: { ألست ترأس قومك ؟}.

 قلتُ: { بلى }.

 قال: { ألستَ رُكوسيّاً -فرقة مترددة بين النصارى والصابئين- ألستَ تأكل المرباع ؟}.

 قلتُ: { بلى }.

 قال: { فإن ذلك لا يحلّ في دينَك !}.

فنضنضتُ لذلك.

 ثم قال: { يا عديّ أسلمْ تسلمْ }.

 قلتُ: { قد أرى }.

 قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: { إنّه ما يمنعك أن تسلم إلا غضاضةً تراها ممّن حولي، وأنت ترى الناس علينا إلْباً واحداً ؟}.

 قال: { هل أتيتَ الحيرة ؟}.

 فقلتُ: { لم آتِها وقد علمتُ مكانها }.

 قال: { يُوشك الظعينة أن ترحل من الحيرة بغير جوار، أو حتى تطوف بالبيت، ولتفتحنّ علينا كنوز كسرى بن هرمز }.

 قلتُ: { قلتَ كسرى بن هرمز !!}.

 قال: { كسرى بن هرمز }.

مرتين أو ثلاثة.

{ وليفيضنّ المالُ حتى يهمَّ الرجل مِنْ يقبلُ صدقتَهُ }.

 قال عدي: { فرأيتُ اثنتين: الظعينة -المرأة- في الهودج تأتي حاجةً لا تحتاج إلى جوار، وقد كنتُ في أول خيل أغارت على كنوز كسرى بن هرمز، وأحلف بالله لتجيئنّ الثالثة، إنّه قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-}.

فضله قَدِمَ عُدَي بن حاتم على أبي بكر بصدقات قومه، وشهد فتوحَ العراق مع سعد، وكان مع خالد فيمن قطع بدِّيَّة السَّماوة إلى الشام، وشهد كثيراً من فتوحها نزل الكوفة وابتنى بها داراً في طيء.

 وقد قَدِمَ على عمر بن الخطاب، فرأى منه جفاءً في العطاء والبشاشة، ولم يلحقه بنظرائه، فقال عدي: { يا أمير المؤنين، أتعرفني !}.

فضحك عمر ثم قال: { نعم، والله إني لأعرفـك، أسلمت إذ كفـروا، وعرفتَ إذْ أنكروا، وأقبلتَ إذْ أدبـروا، ووَفَيْتَ إذْ غدروا، وإنّ أول صدقة بيّضتْ وجْهَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صدقة طيء حيثُ جئتَ بها }.

وأخذ يعتذر منه في فعله لأولئك، فقال عدي: { فلا أبالي إذن }.

 عينه يوم مقتـل عثمان قال عُديّ: { لا ينتطح فيها عنـزان }.

ولم يزل مع علي بن أبـي طالب وشهد معه الجمل وصفّين.

فلمّا فقئت عينـه يوم الجمل قيل له: { أما قلت لا ينتطح فيها عنزان ؟!}.

قال: { بلى وتفقأ عيون كثيرة }.

 الوفاة توفي أبو طريف مُعَمّراً في عام (68 هـ) في الكوفة.

  
عثمان بن مظعون رضي الله عنه

عثمان بن مظعون رضي الله عنه {إنّ ابن مظعون لحييٌّ ستّيْرٌ} حديث شريف.

عثمان بن مظعون بن حبيب الجمحيّ (أبو السائب) من أوائل المسلمين وأغلـب الظـن الرابع عشر ترتيبـاً، وناله ما ينال المسلمين من أذى المشركين وصبـر،، وكان ممن حرّم الخمـر على نفسه قبل تحريمها وكان أمير المهاجرين الأوائل الى الحبشـة مصطحبا ابنه السائب معـه وكان أول المهاجرين وفاة بالمدينة، وأولهم دفنا بالبقيع.

إسلامه انطلق عثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد، وأبو عبيدة بن الجراح، حتى أتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعَرَض عليهم الإسلام، وأنبأهم بشرائعه، فأسلموا جميعاً في ساعةٍ واحدةٍ، وذلك قبل دخول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دار الأرقم، وقبل أن يدعو فيها.

 جوار الله بلغ أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذين خرجوا الى الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا، فغادروا الحبشة عائدين، ولكن حين دنو من مكة علموا بأن هذا النبأ خاطيء، فلم يدخل أحد منهم الى مكة إلا بجوار أو مستخفيا وكانوا ثلاثة وثلاثون منهم عثمان بن مظعون الذي دخل بجوار من الوليد بن المغيرة.

 ولكن لما رأى -رضي الله عنه- ما فيه أصحـاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-من البلاء وهو يغـدو ويروح في أمـان من الوليد بن المغيرة قال: { والله إن غدوي ورواحي آمنا بجوار رجل من الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي }.

فمشى الى الوليد بن المغيرة فقال له: { يا أبا عبد شمس، وَفَت ذمتك، قد رددت إليك جوارك }.

فقال له: { يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي }.

قال: { لا، ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره }.

فقال: { فانطلق الى المسجد فاردد علي جواري علانية كما أجرتك علانية }.

فانطلقا حتى أتيا المسجد فقال الوليد: { هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري }.

قال عثمان: { صدق قد وجدته وفيا كريم الجوار ولكني أحببت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره }.

 ثم انصرف عثمان، ولبيـد بن ربيعة في مجلس من قريش يُنشـدهم، فجلس معهم عثمان، فقل لبيـد: { ألا كل شيء ما خلا الله باطـل }.

قال عثمان: { صدقت }.

قال لبيد: { وكل نعيم لا محالة زائل }.

قال عثمان: { كذبت، نعيم الجنة لا يزول }.

قال لبيد: { يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم ؟}.

فقال رجل من القوم: { إن هذا سفيه من سفهاء معه، قد فارقوا ديننا فلا تجدن في نفسك من قوله }.

فرد عثمان عليه حتى شري أمرهم، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضّرها والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: { أما والله يا ابن أخي، إن كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت في ذمة منيعة }.

فقال عثمان: { بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة الى مثل ما أصاب أختها في الله وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس }.

فقال الوليد: { هلم يا ابن أخي، إن شئت فعد الى جوارك }.

فقال عثمان: { لا }.

 الراهب الجليل وهاجر عثمان بن مظعـون الى المدينة مع الرسـول -صلى الله عليه وسلم- والمسلميـن، وظهرت حقيقته الطاهرة، فهو راهـب الليل والنهار وفارسهمـا معا، تفرغ للعبادة وانقطع عن مناعم الحياة فلا يلبس إلا الخشـن ولا يأكل إلا الطعام الجشِب، فقد دخل يوما المسجد، وكان يرتدي لباسا تمزق، فرقعه بقطعة من فروة، فرق له قلب النبي -صلى الله عليه وسلم- ودمعت عيون الصحابة فقال لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم-: { كيف أنتم يوم يغدو أحدكم في حُلّة، ويروح في أخرى، وتوضع بين يديه قصعة وترفع أخرى، وسَتَرتم بيوتكم كما تستر الكعبة ؟}.

قال الأصحاب: { وَدِدْنا أن ذلك يكون يا رسول الله، فنُصيب الرخاء والعيش }.

فأجابهم الرسول الكريم: { إن ذلك لكائن، وأنتم اليوم خير منكم يومئـذ }.

 البيت واتّخَذَ عثمان بن مظعون بيتاً فقعد يتعبّد فيه، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فأتاه، فأخذ بعِضادتَيْ باب البيت الذي هو فيه فقال: { يا عثمان إن الله لم يبعثني بالرهبانيّة، مرّتين أو ثلاثاً، وإنّ خيرَ الدّين عند الله الحنيفيّة السمحة }.

 الأسوة الحسنة وحين سمع ابـن مظعـون ذلك زاد هربا من النعيم، بل حتى الرفث الى زوجته نأى عنه وانتهى، فقد دخلت امرأةُ عثمان على نساء النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- فَرَأيْنها سيّئة الهيئة، فقُلن لها: { مَا لكِ ؟ فما في قريش أغنى من بعلِك ؟}.

قالت: { ما لنا منه شيءٌ، أمّا ليلهُ فقائمٌ، وأمّا نهارَهُ فصائم }.

 فدخل النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- فذكَرْنَ ذلك له، فلقيهُ فقال: { يا عثمان بن مظعون أمَا لكَ بي أسوة }.

فقال: { بأبي وأمي، وما ذاك ؟}.

قال: { تصوم النهار وتقومُ الليلَ ؟!}.

قال: { إنّي لأفعل }.

قال: { لا تفعلْ، إنّ لعينيك عليك حقّاً، وإن لجسدك حقّاً، وإن لأهلك حقّاً، فصلّ ونمْ، وصُم وأفطر }.

 فأتت امرأته على زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك عطرةُ عروس، فقُلنَ لها: { مَهْ ؟!}.

قالت: { أصابنا ما أصاب الناس }.

 الحياء أتى عثمان بن مظعون النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: { يا رسول الله إنّي لا أحبّ أن ترى امرأتي عورتي }.

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: { ولِمَ ؟}.

قال: { أستحيي من ذلك وأكرهه }.

 قال -صلى الله عليه وسلم-: { إنّ الله جعلها لك لباساً، وجعلك لها لباساً، وأهلي يرون عورتي، وأنا أرى ذلك منهم }.

قال: { أنت تفعلُ ذلك يا رسول الله ؟}.

قال: { نعم }.

قال: { فمِنْ بعدِك }.

فلمّا أدبر قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: { إنّ ابن مظعون لَحَييٌّ سِتّيرٌ }.

 وفاته وحين كانت روحه تتأهب للقاء ربها وليكون صاحبها أول المهاجرين وفاة بالمدينة سنة { 2 هـ }، كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى جانبه يقبل جبينه ويعطره بدموعه وودعه الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- قائلا: { رحمك الله أبا السائب، خرجت من الدنيا وما أصبت منها ولا أصابت منك }.

ولم ينسه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك أبدا حتى حين ودع ابنته رقية حين فاضت روحها قال لها: { الحقي بسلفنا الخيِّر، عثمان بن مظعون }.

 الرثاء وقالت امرأته ترثيه:

يا عينُ جودي بدمعٍ غيـر ممنُونِ               على رزية عثمان بن مظعـون

على امرىءٍ فـي رضوانِ خالقـه            طُوبى له من فقيد الشخص مدفونِ

طاب البقيـعُ له سكنى وغرقـده             وأشرقتْ أرضُهُ من بعد تعييـن

وأورثَ القلبَ حُزْناً لا انقطاع له             حتى الممات فما تَرقَى له شوني

  
عثمان بن عفان رضي الله عنه

عثمان بن عفان ذي النورين {ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة} حديث شريف.

هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، يجتمع نسبه مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم- في عبد مناف، ولد في السنـة السادسة بعد عام الفيـل، نشأ في بيت كريم ذي مال وجاه، وشب على حسن السيرة والعفة والحياء فكان محبوبا في قومه أثيـرا لديهم.

إسلامه كان -رضي الله عنه- من السابقين الى الاسلام اذ أسلم بدعوة من أبي بكر الصديق وتحمل في سبيل ذلك أذى كثيرا وظل ثابتا على عقيدته، فقد أخذه عمّه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطاً وقال: { أترغب عن ملّـة آبائك إلى دين محدث ؟ والله لا أحلّكَ أبداً حتى تدَعَ ما أنت عليه من هذا الديـن }.

فقال عثمان: { والله لا أدعه أبداً ولا أفارقه }.

فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه.

 فكان عثمان بن عفان ممن صلى الى القبلتين، و هاجر الهجرتين: الأولى الى الحبشة والثانية الى المدينة المنورة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة.

واختصه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بكتابة الوحي.

 حياءه قالت السيدة عائشة: استأذن أبو بكر على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مضطجع على فراش عليه مِرْطٌ لي، فأذن له وهو على حاله، فقضى الله حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو على تلك الحال، فقضى الله حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصلح عليه ثيابه وقال: { اجمعي عليك ثيابك }.

فأذن له، فقضى الله حاجته ثم انصرف.

قالت: فقلت: { يا رسول الله، لم أرك فزِعْتُ لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان !}.

فقال: { يا عائشة إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يُبَلّغ إليّ حاجته }.

وقد قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: { ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة }.

 ذو النورين تزوج عثمان -رضي الله عنه- من رقية بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما توفيـت تزوج أختها أم كلثوم ولذلك سمي {ذي النورين}، وعندما ماتت أم كلثوم تأسّف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على مصاهرته وقال: { والذي نفسي بيده لو كان عندي ثالثة لزوَّجتُكَها يا عثمان }.

 مناقبه رويَ عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أحاديث عدّة في ذِكْر مناقب عثمان منها.

{إن عثمان لأول من هاجر الى الله بأهله بعد لوط}.

{ إن الله عز وجل أوحى إليّ أن أزوج كريمتي من عثمان }.

{ من يُبغضُ عثمان أبغضه الله }.

 دخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- على ابنته وهي تغسل رأس عثمان فقال: { يا بنيّة أحْسِني إلى أبي عبد الله فإنه أشبه أصحابي بي خُلُقاً }.

 أوائل كان -رضي الله عنه- أوّل من هاجر الى الحبشة مع زوجته رقيّة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأول من شيَّد المسجد، وأول من خطَّ المفصَّل، وأول من ختم القرآن في ركعة.

 بئر رومة أنفق الكثير من ماله الوفير لخدمة الاسلام والمسلمين ومن ذلك شرائه لبئر رومة، فقد كانت هذه البئر لرجل يهودي في المدينة وكان يبيع ماءها، فلما هاجر المسلمون الى المدينة تمنى الرسول -صلى الله عليه وسلم- لو يجد من بين أصحابه من يشتريها ليفيض ماؤها على المسلمين بغير ثمن وله الجنة، فسارع عثمان -رضي الله عنه- الى اليهودي فاشتراها منه ووهبها للمسلمين.

 يوم الحديبية بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- عثمان الى قريش يوم الحديبية، فقد بعثه الى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه إنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظماً لحرمته، فخرج عثمان الى مكة فلقيه أبَان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلّغ رسالة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم: { إن شئت أن تطوف بالبيت فطف }.

فقال: { ما كنت لأفعـل حتى يطوف به رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- }.

واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل، فدعا الرسول -صلى الله عليه وسلم- الناس الى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وفيها ضرب الرسول -صلى الله عليه وسلم- بشماله على يمينه وقال: { هذه يدُ عثمان }.

فقال الناس: { هنيئاً لعثمان }.

 جيش العسرة ولما حث الرسول -صلى الله عليه وسلم- على تجهيز جيش غزوة تبوك الذي سمي بجيش العسرة، سارع عثمان -رضي الله عنه- بتقديـم تسعمائة وأربعين بعيرا وستين فرسا أتم بها الألف فدعا له قائلا: { غفـر اللـه لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما هو كائـن الى يوم القيامة }.

كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: { ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم }

 الخلافة لقد كان عثمان بن عفان أحد الستة الذين رشحهم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لخلافته.

 فقد أوصى بأن يتم اختيار أحد ستة: {علي بن أبي طالب، عثمان بن عفان، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، سعد بن أبي وقاص، عبد الرحمن بن عوف }.

 في مدة أقصاها ثلاثة أيام من وفاته حرصا على وحدة المسلميـن، فتشاور الصحابـة فيما بينهم ثم أجمعوا على اختيار عثمان -رضي الله عنه- وبايعـه المسلمون في المسجد بيعة عامة سنة { 23 هـ }، فأصبح ثالث الخلفاء الراشدين.

 انجازاته استمرت خلافته نحو اثني عشر عاما تم خلالها الكثير من الأعمال.

نَسْخ القرآن الكريم وتوزيعه على الأمصار.

توسيع المسجد الحرام.

وقد انبسطت الأموال في زمنه حتى بيعت جارية بوزنها، وفرس بمائة ألف، ونخلة بألف درهم، وحجّ بالناس عشر حجج متوالية.

 الفتوحات فتح الله في أيام خلافة عثمان -رضي الله عنه- الإسكندرية ثم سابور ثم إفريقية ثم قبرص، ثم إصطخر الآخرة وفارس الأولى، ثم خو وفارس الآخرة ثم طبرستان ودرُبُجرْد وكرمان وسجستان ثم الأساورة في البحر ثم ساحل الأردن.

وقد أنشأ أول أسطول إسلامي لحماية الشواطيء الإسلامية من هجمات البيزنطيين.

الفتنة في أواخر عهده ومع اتساع الفتوحات الاسلامية ووجود عناصر حديثة العهد بالاسلام لم تتشرب روح النظام والطاعة، أراد بعض الحاقدين على الاسلام وفي مقدمتهم اليهود اثارة الفتنة للنيل من وحدة المسلمين ودولتهم، فأخذوا يثيرون الشبهات حول سياسة عثمان -رضي الله عنه- وحرضوا الناس في مصر والكوفة والبصرة على الثورة، فانخدع بقولهم بعض من غرر به، وساروا معهم نحو المدينة لتنفيذ مخططهم، وقابلوا الخليفة وطالبوه بالتنازل، فدعاهم الى الاجتماع بالمسجد مع كبار الصحابة وغيرهم من أهل المدينة، وفند مفترياتهم وأجاب على أسئلتهم وعفى عنهم، فرجعوا الى بلادهم لكنهم أضمروا شرا وتواعدوا على الحضور ثانية الى المدينة لتنفيذ مؤامراتهم التي زينها لهم عبدالله بن سبأ اليهودي الأصل والذي تظاهر بالاسلام.

 استشهاده وفي شـوال سنة (35) من الهجرة النبوية، رجعت الفرقة التي أتت من مصر وادعوا أن كتابا بقتل زعماء أهل مصر وجدوه مع البريد، وأنكر عثمان -رضي الله عنه- الكتاب لكنهم حاصروه في داره { عشرين أو أربعين يوماً } ومنعوه من الصلاة بالمسجد بل ومن الماء، ولما رأى بعض الصحابة ذلك استعـدوا لقتالهم وردهم لكن الخليفة منعهم اذ لم يرد أن تسيل من أجله قطرة دم لمسلم، ولكن المتآمريـن اقتحموا داره من الخلف { من دار أبي حَزْم الأنصاري } وهجموا عليه وهو يقـرأ القـرآن وأكبت عليه زوجـه نائلـة لتحميه بنفسها لكنهم ضربوها بالسيف فقطعت أصابعها، وتمكنوا منه -رضي الله عنه- فسال دمه على المصحف ومات شهيدا في صبيحة عيد الأضحى سنة (35 هـ)، ودفن بالبقيع.

وكان مقتله بداية الفتنة بين المسلمين الى يومنا هذا.

  
عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه